الخميس, 23 آذار/مارس 2017
الرضـا مستراح العابدين  - ...
الحمدُ لله العليّ العظيم،خلقَ كلَّ شَيْءٍ فقَدّره تقديراً، وأشهدُ أنْ لا إِلهَ ...
المزيد تكبير
السعادة لغة
  لم يكن الدرس الشرعي الذي تلقيته يساعد على قراءة نفسيات الناس، أو التعرف على ...
المزيد تكبير
فتش عن سمات  الرواحل
يقول د. القرضاوي: (إنَّ الأمم والرّسالات تحتاج إلى المعادن المذخورة، والثروات ...
المزيد تكبير
بين الحق والباطل
قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ...
المزيد تكبير
الخطاب الدعوي بين سماته ...
 التنوع والتطور: يتميز الخطاب الدعوي الإسلامي بالثراء في مادته، والتنوع في ...
المزيد تكبير

موقف المسلم من الفتن ـ الشيخ الدكتور حيدر بن أحمد الصافح

  • كتب بواسطة: مدير الموقع
  • الزيارات: 768
  • 11 أيلول

الحمد لله المتفرِّدِ بالعظمة والبقاء والدوام، يكوِّر الليل على النهار، ويكوِّر النهار  على الليل، ويصرّف الشهور والأعوام، لا إله إلا هو، الخلقُ خلقه، الأمر أمرُه،  فتبارك ذو الجلال والإكرام، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه أستغفره، والى  علينا نعَمَه، وتابع علينا آلاءه، وبالشكر يزيد الإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله  وحده لا شريك له، قدّر الأمور بإحكام، وأجراها على أحسن نظام، وأشهد أن سيّدنا ونبيَّنا محمّدًا عبد الله ورسوله، أفضل الرسل وسيّد الأنام، صلى الله وسلم  وبارك عليه، وعلى آله الأطهار وأصحابه الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان،  وسلم تسليمـــا كثـــيرا على الدوام أما بعـــــــد :

حين تطل الفتن برأسها ، وتموج الأهواء والشهوات كموج البحر ، أو تهيج كالرياح العاصفة التي تثير الأتربة والغبار فتنعدم الرؤية الواضحة ولا يرى الإنسان الأشياء على حقائقها ، فماذا يفعل المسلم يا ترى في هذه الأجواء ؟ سؤال أحاول الإجابة عنه في هذه الخطبة إن شاء الله تعالى :

هناك مجموعة من الأمور على المسلم الذي يرجو الله واليوم الآخر أن يقوم بها للمحافظة على دينه :

أولها : الحرص على العبادة في مثل هذه الظروف جاء في صحيح مسلم عن معقل بن يسار t عن النبي r أنه قال : 
العبادة في الهرج ـ أي في الفتنة ـ كهجرة إليَّ ) .

ثانيها : الإلحاح على الله بالدعاء فالخلق خلقه والأمر أمره ولا يكون إلا ما يريده جل جلاله ، قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم : ( تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ) وعلى الإنسان أن يحفظ الأذكار المتعلقة بالفتن ويعلمها غيره كما جاء في الحديث أن النبي r كان إذا خاف من قوم قال : ( اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم ) صحيح أبي داود .

وفي الصحيحين أن النبي r كان يقول في الكرب : ( لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ) .

ثالثها : حسن التعامل والتأمل والنظر للواقع والوعي بالحالة والظرف ، والبعد عن السطحية والغثائية والسذاجة والغفلة فالمؤمن كيس فطن ، عميق النظر والفهم والإدراك ؛ لأنه ينظر بنور الله جعل الله له فرقاناً يميز به بين الحق والباطل .

رابعها : الصبر وعدم الاستعجال فإن لكل قوم هاد ولكل أجل كتاب قال الله تعالى لنبيه : } فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ { ، قال ابن تيمية رحمه الله : فأمره بالصبر وأخبره أن وعد الله حق وأمره أن يستغفر لذنبه ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به ، فإنه سبحانه أمر بالحق ، وأمر بالصبر ، فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك الصبر فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في عمله يؤمر بالصبر ، فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور .

فأمر الله بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب .

خامسها : الحلم والأناة ؛ لأن ذلك يجعل المسلم يبصر حقائق الأمور بحكمة ، ويقف على خفاياها وأبعادها وعواقبها كما قال عمرو بن العاص في وصف الروم : إن فيهم لخصالاً أربعاً : إنهم لأحلم الناس عند فتنة ، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة ، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف ، وخامسة حسنة جملية وأمنعهم من ظلم الملوك .

سادسها : الرجوع إلى أهل العلم الربانيين العاملين الصادقين والدعاة المخلصين لمعرفة المواقف الشرعية في كل ما يحدث ومعرفة حكم الله ورسوله في كل القضايا فما خلقنا الله إلا لعبادته وطاعته في السراء والضراء والشدة والرخاء بما شرعه سبحانه لنا في كتابه وعلى لسان رسوله r .

سابعها : بذل الأسباب العملية لخلاص الأمة ورفعتها بدلاً من الاشتغال بفضول الكلام الذي لا طائل من ورائه ... فلا تصلح دنيا ولا تصلح الآخرة إلا بالعلم والإيمان والعمل ، وقد وصف الله المؤمنين في القرآن في كل الآيات بأنهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وقال : } ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ { ، وقال : } وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ { ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ... ) .

ثامنها : الحذر من السير في ركاب السوء والمنكر بحجة أن الكبار قد قرروه ورضوا به ، وإنما على المسلم أن يلتزم

بتوجيهات وتعليمات الرسول الكريم r فقد قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم : ( ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع ... ) وفي رواية : ( فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع ... ) فمن رضي بالمنكر والباطل وسار فيه فقد هلك مع الهالكين .

تاسعها : الحرص على وحدة الصف واجتماع الكلمة وأن يكون الولاء على الإسلام والإيمان ، والاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه r عملاً بقوله سبحانه : } وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا { ، وقال عليه الصلاة والسلام : (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ... ) صحيح الجامع .

وهذا لابد منه ، سيما وقت الفتن لأن كثيراً من الناس يخوضون في الأمور بغير هدى من الله ، فيؤدي ذلك إلى أنواع من البلاء والتفرق والتصرفات الطائشة التي تؤدي إلى الوقوع فيما حرم الله ورسوله ، وإذا تجرأ الناس على محارم الله ولم يقفوا عند حدوده ، عاقبهم الله وسلط عليهم فتناً تدع الحليم فيهم حيران .

قلت ما سمعتم وأستغفر الله

الخطبة الثانية

لقد وضع الله لعباده سنناً يستطيعون من خلالها أن يدفعوا عن أنفسهم الأزمات والفتن منها :

تحقيق الإيمان العميق في القلوب .. وترجمة ذلك إلى واقع عملي .. فإن الله تعالى خرق سننه الكونية من أجل عباده المؤمنين الصادقين ، فهو سبحانه جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم ، وفلق البحر لموسى ... وأوقف الشمس ليوشع وشق القمر لمحمد r وغير ذلك كثير ، قال الله تعالى : } إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا { ، وقال : } وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ { .

ومن السنن في دفع الأزمات والمحن التوبة والرجوع إلى الله تعالى ، قال بعض العلماء في قصة يونس عليه السلام التي أخبرنا الله بها أنهم حين فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح وخرجوا بأطفالهم وبهائمهم إلى الصحراء يجأرون إلى الله أربعين ليلة .. فلما علم الله الصدق من قلوبهم .. والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف الله عنهم العذاب قال تعالى : } فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ { .

ولذا قال بعض السلف : ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا 
بتوبة .

إنه لا يخرج الأمة مما هي فيه إلا توبة صادقة خالصة ناصحة 
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ... { .

ومما يدفع البلاء ويصرف العذاب كثرة الاستغفار ولزومه لقول الله تعالى : } وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ {وروي عن ابن عباس مرفوعاً : ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ) .

ومما يدفع العذاب والنقم كثرة الأعمال الصالحة والإحسان إلى 

الخلق كما قالت خديجة رضي الله عنها لرسول الله r : ( كلا والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتقري الضيف ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق ) فمن كان حاله كذلك لا يخزيه الله ولا يخذله أبداً .

ومما يدفع عن الأمة الفتن والمصائب القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق لقول الله تعالى : } وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ { .

وقال رسول الله r : ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده .

ومن سنن الله في دفع العذاب الإكثار من الصدقة ورحمة الفقراء لقوله r : ( أكثروا من الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا ) رواه ابن ماجه .

وقال عليه الصلاة والسلام : ( صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب .. ) .

وقال بعض السلف : " إن الصدقة لتدفع سبعين باباً من السوء " .

ومما يدفع النقم ويجلب النعم اجتناب الظلم بكل أشكاله وصوره ، وعدم التعدي على الناس في دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم بغير حق .. يقول الله تعالى : } وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً { .

ومما يجلب الأمن والاستقرار للأفراد والجماعات التخلي عن صفة البخل والشح ، وغالباً ما تقترن هذه الصفة صفة الشح مع الظلم ومنع حقوق الآخرين وقد حذر النبي r من ذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ) أخرجه مسلم وغيره .

وقال r : ( إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور    ففجروا ) صحيح أبي داود .

كما أخبر الرسول r أنه في آخر الزمن تكثر الفتن ويلقى الشح أي يجعل في القلوب الحرص الشديد على المال ومتع الحياة ، وهذه الخصلة الذميمة هي التي تؤدي إلى تأجيج الفتن واحتدام الصراع ، فهؤلاء الحكام الذين سكروا بحب الدنيا وقتلهم الحرص على حطامها دفعهم ذلك إلى اغتصاب حقوق شعوبهم ونهب ثرواتهم ومنع حقوقهم فكان هذا الغليان والتمرد الذي نشاهده اليوم في كثير من الأماكن والبلدان .

اللهم اعصمنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن واحفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاقدين .

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال : ... حين تطل الفتن برأسها ، وتموج الأهواء والشهوات كموج 
البحر ، أو تهيج كالرياح العاصفة التي تثير الأتربة والغبار فتنعدم الرؤية الواضحة ولا يرى الإنسان الأشياء على حقائقها ، فماذا يفعل المسلم يا ترى في هذه الأجواء ؟ سؤال أحاول الإجابة عنه في هذه الخطبة إن شاء الله تعالى :

هناك مجموعة من الأمور على المسلم الذي يرجو الله واليوم الآخر أن يقوم بها للمحافظة على دينه :

أولها : الحرص على العبادة في مثل هذه الظروف جاء في صحيح مسلم عن معقل بن يسار t عن النبي r أنه قال : 
العبادة في الهرج ـ أي في الفتنة ـ كهجرة إليَّ ) .

ثانيها : الإلحاح على الله بالدعاء فالخلق خلقه والأمر أمره ولا يكون إلا ما يريده جل جلاله ، قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم : ( تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ) وعلى الإنسان أن يحفظ الأذكار المتعلقة بالفتن ويعلمها غيره كما جاء في الحديث أن النبي r كان إذا خاف من قوم قال : ( اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم ) صحيح أبي داود .

وفي الصحيحين أن النبي r كان يقول في الكرب : ( لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ) .

ثالثها : حسن التعامل والتأمل والنظر للواقع والوعي بالحالة والظرف ، والبعد عن السطحية والغثائية والسذاجة والغفلة فالمؤمن كيس فطن ، عميق النظر والفهم والإدراك ؛ لأنه ينظر بنور الله جعل الله له فرقاناً يميز به بين الحق والباطل .

رابعها : الصبر وعدم الاستعجال فإن لكل قوم هاد ولكل أجل كتاب قال الله تعالى لنبيه : } فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ { ، قال ابن تيمية رحمه الله : فأمره بالصبر وأخبره أن وعد الله حق وأمره أن يستغفر لذنبه ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به ، فإنه سبحانه أمر بالحق ، وأمر بالصبر ، فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك الصبر فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في عمله يؤمر بالصبر ، فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور .

فأمر الله بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب .

خامسها : الحلم والأناة ؛ لأن ذلك يجعل المسلم يبصر حقائق الأمور بحكمة ، ويقف على خفاياها وأبعادها وعواقبها كما قال عمرو بن العاص في وصف الروم : إن فيهم لخصالاً أربعاً : إنهم لأحلم الناس عند فتنة ، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة ، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف ، وخامسة حسنة جملية وأمنعهم من ظلم الملوك .

سادسها : الرجوع إلى أهل العلم الربانيين العاملين الصادقين والدعاة المخلصين لمعرفة المواقف الشرعية في كل ما يحدث ومعرفة حكم الله ورسوله في كل القضايا فما خلقنا الله إلا لعبادته وطاعته في السراء والضراء والشدة والرخاء بما شرعه سبحانه لنا في كتابه وعلى لسان رسوله r .

سابعها : بذل الأسباب العملية لخلاص الأمة ورفعتها بدلاً من الاشتغال بفضول الكلام الذي لا طائل من ورائه ... فلا تصلح دنيا ولا تصلح الآخرة إلا بالعلم والإيمان والعمل ، وقد وصف الله المؤمنين في القرآن في كل الآيات بأنهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وقال : } ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ { ، وقال : } وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ { ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ... ) .

ثامنها : الحذر من السير في ركاب السوء والمنكر بحجة أن الكبار قد قرروه ورضوا به ، وإنما على المسلم أن يلتزم

بتوجيهات وتعليمات الرسول الكريم r فقد قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم : ( ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع ... ) وفي رواية : ( فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع ... ) فمن رضي بالمنكر والباطل وسار فيه فقد هلك مع الهالكين .

تاسعها : الحرص على وحدة الصف واجتماع الكلمة وأن يكون الولاء على الإسلام والإيمان ، والاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه r عملاً بقوله سبحانه : } وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا { ، وقال عليه الصلاة والسلام : (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ... ) صحيح الجامع .

وهذا لابد منه ، سيما وقت الفتن لأن كثيراً من الناس يخوضون في الأمور بغير هدى من الله ، فيؤدي ذلك إلى أنواع من البلاء والتفرق والتصرفات الطائشة التي تؤدي إلى الوقوع فيما حرم الله ورسوله ، وإذا تجرأ الناس على محارم الله ولم يقفوا عند حدوده ، عاقبهم الله وسلط عليهم فتناً تدع الحليم فيهم حيران .

قلت ما سمعتم وأستغفر الله

الخطبة الثانية

لقد وضع الله لعباده سنناً يستطيعون من خلالها أن يدفعوا عن أنفسهم الأزمات والفتن منها :

تحقيق الإيمان العميق في القلوب .. وترجمة ذلك إلى واقع عملي .. فإن الله تعالى خرق سننه الكونية من أجل عباده المؤمنين الصادقين ، فهو سبحانه جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم ، وفلق البحر لموسى ... وأوقف الشمس ليوشع وشق القمر لمحمد r وغير ذلك كثير ، قال الله تعالى : } إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا { ، وقال : } وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ { .

ومن السنن في دفع الأزمات والمحن التوبة والرجوع إلى الله تعالى ، قال بعض العلماء في قصة يونس عليه السلام التي أخبرنا الله بها أنهم حين فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح وخرجوا بأطفالهم وبهائمهم إلى الصحراء يجأرون إلى الله أربعين ليلة .. فلما علم الله الصدق من قلوبهم .. والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف الله عنهم العذاب قال تعالى : } فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ { .

ولذا قال بعض السلف : ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا 
بتوبة .

إنه لا يخرج الأمة مما هي فيه إلا توبة صادقة خالصة ناصحة 
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ... { .

ومما يدفع البلاء ويصرف العذاب كثرة الاستغفار ولزومه لقول الله تعالى : } وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ {وروي عن ابن عباس مرفوعاً : ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ) .

ومما يدفع العذاب والنقم كثرة الأعمال الصالحة والإحسان إلى 

الخلق كما قالت خديجة رضي الله عنها لرسول الله r : ( كلا والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتقري الضيف ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق ) فمن كان حاله كذلك لا يخزيه الله ولا يخذله أبداً .

ومما يدفع عن الأمة الفتن والمصائب القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق لقول الله تعالى : } وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ { .

وقال رسول الله r : ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده .

ومن سنن الله في دفع العذاب الإكثار من الصدقة ورحمة الفقراء لقوله r : ( أكثروا من الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا ) رواه ابن ماجه .

وقال عليه الصلاة والسلام : ( صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب .. ) .

وقال بعض السلف : " إن الصدقة لتدفع سبعين باباً من السوء " .

ومما يدفع النقم ويجلب النعم اجتناب الظلم بكل أشكاله وصوره ، وعدم التعدي على الناس في دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم بغير حق .. يقول الله تعالى : } وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً { .

ومما يجلب الأمن والاستقرار للأفراد والجماعات التخلي عن صفة البخل والشح ، وغالباً ما تقترن هذه الصفة صفة الشح مع الظلم ومنع حقوق الآخرين وقد حذر النبي r من ذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ) أخرجه مسلم وغيره .

وقال r : ( إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور    ففجروا ) صحيح أبي داود .

كما أخبر الرسول r أنه في آخر الزمن تكثر الفتن ويلقى الشح أي يجعل في القلوب الحرص الشديد على المال ومتع الحياة ، وهذه الخصلة الذميمة هي التي تؤدي إلى تأجيج الفتن واحتدام الصراع ، فهؤلاء الحكام الذين سكروا بحب الدنيا وقتلهم الحرص على حطامها دفعهم ذلك إلى اغتصاب حقوق شعوبهم ونهب ثرواتهم ومنع حقوقهم فكان هذا الغليان والتمرد الذي نشاهده اليوم في كثير من الأماكن والبلدان .

اللهم اعصمنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن واحفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاقدين .

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال : ... 

مجموعات فرعية