الخميس, 23 آذار/مارس 2017

الخطاب الدعوي بين سماته الأصلية وأزمته العصرية

Written by  أ.د / أحمد زايد Published in المقالات الدعوية الأحد, 08 آذار/مارس 2015 15:25
Rate this item
(0 votes)

 التنوع والتطور:

يتميز الخطاب الدعوي الإسلامي بالثراء في مادته، والتنوع في معالجاته، ويأتي ثراؤه من النظرة الشمولية للإسلام، فلم يدع الإسلام صغيرة ولا كبيرة في دنيا الناس إلا وتطرق إليها، وصدق الله تعالى إذ يصف كتابه بقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)( النحل : 89.).

ومن ثم فإن الخطاب الدعوي لم يقف حائرًا أمام مشكلة من مشكلات الحياة، في أي مكان وفي أي زمان، لأنه يشتمل على الحلول العادلة لكافة القضايا والمشكلات.

ويمتاز الخطاب الدعوي أيضًا بالتنوع ونعني به:

 تعدد أشكال الأساليب وتنوعها تنوعًا يغطي حاجات الدعوة، ويلبي متطلبات الفطرة. فالدعوة قد تحتاج إلى أسلوب القوة كما تحتاج إلى أسلوب اللين، وقد تحتاج إلى أسلوب مواجهة الخطأ وتعيّنه، كما تحتاج إلى أسلوب التعميم وعدم المواجهة، فقد كان رسول الله يقول أحيانًا عند الإنكار (ما بال أقوام يقولون كذا. أو يفعلون كذا) ([1]).

وكان يواجه أحيانًا صاحب الخطأ فيقول (ما بال مقالة بلغتني عنكم)( صحيح البخاري)؟!

والداعية الحكيم هو الذي يحسن استخدام الأسلوب المناسب في الموقف المناسب، فدائرة الإختيار بين الأساليب واسعة جدًا لا تخفى على المتتبع لها(المدخل إلى علم الدعوة).

كما يمتاز الخطاب الدعوي بالتطور وعدم الثبات على شكل واحد، فالأساليب الدعوية تختلف من وقت إلى آخر ومن حال إلى حال وذلك يحسب المقتضيات والأزمان.

فقد يصلح أسلوب دعوي مع شخص معين في حال معينة أو عمر معين، فإذا استمر المدعو على واقعه، ولم يفده ذلك الأسلوب. كان على الداعية أن يغير من أسلوبه بما يتناسب مع حال المدعو، ويطوره إلى بعض من يتصدون للخطاب الدعوي(المدخل إلى علم الدعوة).

والعجب من دعاة العصر الذين يقفون متجمدين على أساليب دعوية لا يفكرون في تطويرها، بل ويتحرجون من تغييرها وكأنها ثوابت شرعية في نظرهم.

وذلك في الوقت الذي طور فيه أعداء الإسلام من أساليبهم، وتفننوا في تنويعها وتشكيلها، ليستوعبوا حياة الناس بها!!

 خطاب عام وفردي:

إن من مميزات الخطاب الدعوي الإسلامي أنه خطاب جماعي في معظم الأحوال إلى الجماعة كما إنه موجه إلى الفرد فالذي يقرأ القرآن الكريم يجد فيه عشرات الآيات التي تدل على ذلك ومن هذه الآيات قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)( التوبة: 105.).

وقال تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)( الحج: 41.).

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ* كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)([2]).

وقال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)( آل عمران: 100 – 101.).

والآيات القرآنية التي خاطبت المؤمنين أو المسلمين فاقت في العدد أربعمائة آية بكثير، وما هذا إلا دليل على أن الخطاب الإسلامي جماعي([3]) في عمومه، والعبرة في ذلك يسجلها بعض علماء الاجتماع الإسلامي بقوله: (قلما يخاطب القرآن الكريم الفرد، وأكثر ما يتجه بخطابه إلى الجماعة تشريعًا وتوجيهًا، وتنبيهًا وتنويهًا، وذلك إظهارًا لكيان الجماعة ووظيفتها ومسئوليتها في الحياة، وإشعار الفرد بوجوده الجماعي، وتوكيد المفهوم أن الحياة جماعة) (فقه الدعوة الفردية).

وأما الأحاديث النبوية الشريفة التي جاء فيها الخطاب جماعيًا فأكثر من أن تحصى، وليست مئات كالآيات وإنما هي ألوف(فقه الدعوة الفردية)، وأذكر منها ما رواه الإمام أحمد بسنده عن النبي r أنه قال: (الجماعة رحمة والفرقة عذاب) وروى الترمذي بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى اله عليه وسلم أنه قال:

 (.. عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد).

وروى الترمذي بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله  قال: (…. يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار).

Read 604 times Last modified on الأحد, 08 آذار/مارس 2015 16:08