الخميس, 23 آذار/مارس 2017

المقالات الدعوية (12)

الحمدُ لله العليّ العظيم،خلقَ كلَّ شَيْءٍ فقَدّره تقديراً، وأشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاّ الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه البشيرُ النذير، صلّى الله عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِه والتابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ المآبِ والمصِير، وسلّم تسليماً أما بعد:-عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله ......  عباد الله :

صغيرٌ يطلبُ الكِبرا ... وشيخٌ ودَّ لو صَغُرا

وخالٍ يشتهي عملا ً... وذو عملٍ به ضَجِرا

ورب المال في تعب ... وفي تعب من افتقرا

وذو الأولاد مهمومٌ ... وطالبهم قد انفطرا

ومن فقد الجمال شكي ... وقد يشكو الذي بُهِرا

ويبغى المجدَ في لهفٍ ... فإن يظفر به فترا

شُكاةٌ مالها حَكَمٌ ... سوى الخصمين إن حضرا

عباد الله : هكذا هي حياة الإنسان لا تدوم على حال وكلما تطلع إلى

السعادة لغة

Written by الثلاثاء, 23 شباط/فبراير 2016 09:14

 

لم يكن الدرس الشرعي الذي تلقيته يساعد على قراءة نفسيات الناس، أو التعرف على أمزجتهم وطباعهم.لكني منذ الطفولة كنت حفيا بالتساؤل ................

قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].

وقال الله تعالى:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].

وقال الله تعالى:{ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3) } [العصر].

إن العلم نوعان:

العلم بالله.. والعلم بدينه.

فأما العلم بالله فهو العلم بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

وأما العلم بدينه فمرتبتان:

الأولى: العلم بدينه الأمري الشرعي، المتضمن أمره ونهيه، وما أحله وما حرمه، وهو الصراط المستقيم الموصل إليه.

الثانية: العلم بدينه الجزائي، المتضمن ثوابه وعقابه، ويدخل فيه العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

والحق: هو الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وهو يتضمن: معرفة الحق، وإيثاره، وتقديمه على غيره، ومحبته، والانقياد له، والدعوة إليه، والصبر عليه، وجهاد أعدائه، وما سواه فهو صراط أهل الباطل، أهل الغضب والضلال، كما قال سبحانه:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة].

فالطرق ثلاثة:

الأول: طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وهي طريق من عرف الحق وعمل به.

الثاني: طريق أهل الغضب، وهي طريق من عرف الحق وعانده كاليهود.

الثالث: طريق أهل الضلال، وهي طريق من عرف الحق وضل عنه.

وسنة الله عزَّ وجلَّ سير الحق تدريجياً شيئاً فشيئاً، يظهر ويرتفع مستواه كالنبات ينمو شيئاً فشيئاً.

فلا نستعجل ظهوره، بل نصبر ونستمر حتى ينتشر الحق ويرتفع مستواه بما يشاء، كما أيد الأنبياء والرسل، وأظهر دينهم، وخذل أعداءهم.

وإذا اشتدت الأمور والأحوال نثبت على الحق، ولا نخالف الأوامر ولا نغير الترتيب، فالله يسمع ويرى ويعلم ما يفعله أهل الحق، وما يفعله أهل الباطل.

فأبو بكر رضي الله عنه لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، لم يغير شيئاً أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنفذ جيش أسامة مع شدة الأحوال، وبعث الجيوش لحرب المرتدين مع شدة الأحوال، فكان نصر الله، وعاد الناس إلى الدين.

والنصر والتأييد يأتي تدريجياً، وأحياناً يتأخر لحكمة حتى يقول الناس متى نصر الله؟.

فلا نيأس ولا نمل، بل نستمر وندعو الله وننتظر الفرج، فتلك سنة الله:{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

فلا بدَّ مع الدعوة والعمل من الدعاء.

ولكن الأمة لما تركت الجهد والعمل لم تجد لذة الدعاء والمناجاة، وجاء الشك في الدعاء، وهذا مرض كبير، وإذا قمنا بجهد الدعوة فالله عزَّ وجلَّ يعطينا قوة الدعاء، ولذة المناجاة.

وقد عرض الله عزَّ وجلَّ الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبت حملها، وأشفقت منها، وحملها الإنسان فيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين الخلق، فإن قام بها أثابه الله، وإن فرط فيها عاقبه الله.

فكل إنسان متحمل أمانة نفسه بأن يحملها على طاعة الله، واجتناب معصيته، ومتحمل أمانة أهله، ومتحمل أمانة الأمة بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد انقسم الناس في تحمل الأمانة إلى ثلاثة أصناف:

الأول: الذين تحملوا الأمانة ظاهراً وباطناً، وهم المؤمنون والمؤمنات، وهم درجات.

الثاني: الذين تحملوا الأمانة ظاهراً، وضيعوها باطناً، وهم المنافقون والمنافقات.

الثالث: الذين فرطوا في الأمانة، فلم يتحملوها لا ظاهراً ولا باطناً، وهم المشركون والمشركات.

فهؤلاء والمنافقون والمنافقات ضيعوا الأمانة؛ لأنهم كفروا بالله وأشركوا به.

وقد وعد الله الصنف الأول الذين تحملوا الأمانة بالتوبة والمغفرة، وتوعد الصنفين بعدهم، الذين ضيعوا الأمانة بالعذاب الأليم فقال سبحانه:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) } [الأحزاب].

ومن رحمة الله بالخلق وعنايته بهم أن بعث إليهم الرسل تبين الحق وتميزه من الباطل، بحيث يصير مشهوداً للقلب كشهود العين للمرئيات، وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه، والتي لا يعذب أحداً ولا يضله إلا بعد وصوله إليها كما قال سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }[التوبة: 115].

فهذا الإضلال عقوبة من الله لهم حين بين لهم الحق فلم يقبلوه، فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى، وما أضل الله أحداً قط إلا بعد هذا البيان، كما قال سبحانه:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5].

 

وهذا البيان نوعان:

بيان بالآيات المسموعة المتلوة.. وبيان بالآيات المشهودة المرئية.

وكلاهما أدلة على توحيد الله، وصدق ما أخبرت به رسله عنه.

وهذا البيان الذي بعث الله به رسله، وجعله إليهم وإلى العلماء من بعدهم، وبعد ذلك يضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء كما قال سبحانه:{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4].

فالرسل تبين الحق.. والله يضل من يشاء.. ويهدي من يشاء.

والكلام له لفظ ومعنى، وله نسبة إلى الأذن والقلب.

 

والسماع له ثلاث مراتب:

فسماع لفظه حظ الأذن.. وسماع حقيقة معناه حظ القلب.. وسماع القبول والإجابة حظ العقل.

فالكفار يسمعون الألفاظ التي هي حظ الأذن فقط كما قال سبحانه:{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) } [محمد].

فهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه.

وسماع الحق لفظه ومعناه وقبوله خاص بمن أراد الله هدايته كما قال سبحانه:{ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) } [الزمر].

 

وسنة الله التي لا تتبدل أن الحق إذا جاء زهق الباطل، فالباطل لا يمكن أن يثبت للحق كما قال سبحانه: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}[الإسراء: 81].

وإن ظهور الباطل وبقاءه منتفشاً فترة من الزمن.. ليس معناه أن الله تاركه.. أو أنه من القوة بحيث لا يغلب.. أو بحيث يضر الحق ضرراً باقياً قاضياً.

وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك وبقاءه ضعيف الحول والقوة فترة من الزمن.. ليس معناه أن الله جافيه أو ناسيه.. أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه.

كلا.. إنما هي حكمة وتدبير من الحكيم الخبير هنا وهناك.

يملي سبحانه للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق، وليرتكب أبشع الآثام وليحمل أثقل الأوزار، ولينال أشد العذاب باستحقاق:{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178].

فالله عزَّ وجلَّ يملي للظالم حتى يزداد طغيانه، ويترادف كفرانه، حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليحذر الظالمون من الإمهال، ولا يظنوا أن يفوتوا الكبير المتعال كما قال سبحانه:{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].

ويبتلي سبحانه الحق؛ ليميز الخبيث من الطيب، ويعظم الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت:{ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74].

والإيمان والكفر.. والهدى والضلال.. لا تتعلق بالبراهين والأدلة على الحق.. فالحق برهان ذاته.. وله من السلطان على القلب البشري ما يجعله يقبله، ويخضع له، ويؤثره، ولكن المعوقات الأخرى هي التي تحول بين القلب والحق من الهوى والشهوات، والشبهات، وحب الدنيا، والعادات ونحو ذلك.

وقد ركب الله سبحانه في كل إنسان نفسين:

نفساً أمارة.. ونفساً مطمئنة.

وهما متعاديتان، فكل ما خف على هذه ثقل على الأخرى، وكل ما التذت به هذه تألمت به الأخرى.

فليس على النفس الأمارة أشق من العمل لله.. وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله.

والملك مع هذه عن يمنة القلب، والشيطان مع تلك يسرة القلب.

فالباطل كله مع الشيطان والأمارة.. والحق كله مع الملك والمطمئنة، والحروب مستمرة دول وسجال، والنصر مع الصبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ منقول من ( موسوعة فقه القلوب )

 

 التنوع والتطور:

يتميز الخطاب الدعوي الإسلامي بالثراء في مادته، والتنوع في معالجاته، ويأتي ثراؤه من النظرة الشمولية للإسلام، فلم يدع الإسلام صغيرة ولا كبيرة في دنيا الناس إلا وتطرق إليها، وصدق الله تعالى إذ يصف كتابه بقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)( النحل : 89.).

ومن ثم فإن الخطاب الدعوي لم يقف حائرًا أمام مشكلة من مشكلات الحياة، في أي مكان وفي أي زمان، لأنه يشتمل على الحلول العادلة لكافة القضايا والمشكلات.

ويمتاز الخطاب الدعوي أيضًا بالتنوع ونعني به:

 تعدد أشكال الأساليب وتنوعها تنوعًا يغطي حاجات الدعوة، ويلبي متطلبات الفطرة. فالدعوة قد تحتاج إلى أسلوب القوة كما تحتاج إلى أسلوب اللين، وقد تحتاج إلى أسلوب مواجهة الخطأ وتعيّنه، كما تحتاج إلى أسلوب التعميم وعدم المواجهة، فقد كان رسول الله يقول أحيانًا عند الإنكار (ما بال أقوام يقولون كذا. أو يفعلون كذا) ([1]).

وكان يواجه أحيانًا صاحب الخطأ فيقول (ما بال مقالة بلغتني عنكم)( صحيح البخاري)؟!

والداعية الحكيم هو الذي يحسن استخدام الأسلوب المناسب في الموقف المناسب، فدائرة الإختيار بين الأساليب واسعة جدًا لا تخفى على المتتبع لها(المدخل إلى علم الدعوة).

كما يمتاز الخطاب الدعوي بالتطور وعدم الثبات على شكل واحد، فالأساليب الدعوية تختلف من وقت إلى آخر ومن حال إلى حال وذلك يحسب المقتضيات والأزمان.

فقد يصلح أسلوب دعوي مع شخص معين في حال معينة أو عمر معين، فإذا استمر المدعو على واقعه، ولم يفده ذلك الأسلوب. كان على الداعية أن يغير من أسلوبه بما يتناسب مع حال المدعو، ويطوره إلى بعض من يتصدون للخطاب الدعوي(المدخل إلى علم الدعوة).

والعجب من دعاة العصر الذين يقفون متجمدين على أساليب دعوية لا يفكرون في تطويرها، بل ويتحرجون من تغييرها وكأنها ثوابت شرعية في نظرهم.

وذلك في الوقت الذي طور فيه أعداء الإسلام من أساليبهم، وتفننوا في تنويعها وتشكيلها، ليستوعبوا حياة الناس بها!!

 خطاب عام وفردي:

إن من مميزات الخطاب الدعوي الإسلامي أنه خطاب جماعي في معظم الأحوال إلى الجماعة كما إنه موجه إلى الفرد فالذي يقرأ القرآن الكريم يجد فيه عشرات الآيات التي تدل على ذلك ومن هذه الآيات قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)( التوبة: 105.).

وقال تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)( الحج: 41.).

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ* كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)([2]).

وقال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)( آل عمران: 100 – 101.).

والآيات القرآنية التي خاطبت المؤمنين أو المسلمين فاقت في العدد أربعمائة آية بكثير، وما هذا إلا دليل على أن الخطاب الإسلامي جماعي([3]) في عمومه، والعبرة في ذلك يسجلها بعض علماء الاجتماع الإسلامي بقوله: (قلما يخاطب القرآن الكريم الفرد، وأكثر ما يتجه بخطابه إلى الجماعة تشريعًا وتوجيهًا، وتنبيهًا وتنويهًا، وذلك إظهارًا لكيان الجماعة ووظيفتها ومسئوليتها في الحياة، وإشعار الفرد بوجوده الجماعي، وتوكيد المفهوم أن الحياة جماعة) (فقه الدعوة الفردية).

وأما الأحاديث النبوية الشريفة التي جاء فيها الخطاب جماعيًا فأكثر من أن تحصى، وليست مئات كالآيات وإنما هي ألوف(فقه الدعوة الفردية)، وأذكر منها ما رواه الإمام أحمد بسنده عن النبي r أنه قال: (الجماعة رحمة والفرقة عذاب) وروى الترمذي بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى اله عليه وسلم أنه قال:

 (.. عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد).

وروى الترمذي بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله  قال: (…. يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار).

>>> يتبع المقال السابق ..

13 – أن يجعل الداعية لكل شيء قدراً :

لا ينبغي للداعية أن يعطي المسألة أكبر من حجمها ، فالدّين مؤسس ، والدينّ مفروغ منه : (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً )) المائدة

فلا يعطى الداعية المسائل أكبر من حجمها ، وكذلك لا يصغر المسائل الكبرى أو يهوّنها عند الناس .. ومن الأمثلة على ذلك :

•أن بعض الدعاة يعطي مسألة إعفاء اللحية أكبر من حجمها حتى كأنها التوحيد الذي يخلد به الناس أو يدخل الناس به الجنه ، ويدخل الناس بحلقها النار ويخلدون فيها ! مع العلم أنها من السنن الواجبات ، ومن حلقها فقد ارتكب محرماً ، لكن لا تأخذ حجماً أكبر من حجمها ، وكذلك مسألة إسبال الثياب ، والأكل باليسرى ، وغيرها من المسائل . لا يتركها الداعيه أو يقول إنها قشور فيخطئ ، ولا يعطيها أكبر من حجمها ، فقد جعل الله لكل شئ قدراً .

والحر ميزان ، فعليه أن يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد تكلم عن التوحيد في جّل أحاديثه ومجالسه ، وأعطى المسائل حجمها حتى لا يُصاب الناس بإحباط .

•فإن التربيه الموجهة أن تصف له المسألة السهلة فتكبرها عنده ، وتصغر له المسألة الكبرى

أحياناً يصغر بعض الناس من مسألة السَّحر ، واستخدام السحر ، ويقول هو مذنب ، مع العلم أنه عند الكثير من أهل العلم مخرج من الملة ، وحّد السحر ضربه بالسّيف ، ومع ذلك تجد بعض الدعاة يصغر من مسألة السحر !

وأحياناً يصغر بعض الدعاة كذلك من شأن الحداثة ، والهجوم على الإسلام في بعض الصحف والمجلات والجرائد ، ويقول : هذا ممكن ، هذا أمر محتمل ، المسألة سهلة ويسيرة !! إلى غير ذلك من الأمور .

 

14 – اللين في الخطاب والشفقة في النصح :

على الداعية أن يكون ليَّنا في الخطاب ، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم لين الكلام بشوش الوجه ، وكان صلى الله عليه وسلم متواضعاً محبباً إلى الكبير والصغير ، يقف مع العجوز ويقضي غرضه ، ويأخذ الطفل ويحمله ، ويذهب إلى المريض ويعوده ، ويقف مع الفقير ، ويتحمل جفاء الأعرابي ، ويرحب بالضيف ، وكان إذا صافح شخصاً لا يخلع يده من يده حتى يكون الذي يصافحه هو الذي يخلع ، وكان إذا وقف مع شخص لا يعطيه ظهر حتى ينتهي من حديثه ، وكان دائم البسمة في وجوه أصحابه صلى الله عليه وسلم لا يقابل أحداً بسوء (  فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) آل عمران .. فإذا فعل الإنسان ذلك كان أحب إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة !

ويرسل الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون أطغى الطواغيت ، ويأمرهما باللين معه فيقول : (( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )) طه.

فالقول ألين سحر حلال ، قيل لبعض أهل العلم : ما هو السحر الحلال ؟ قال : (( تبسمك في وجوه الرجال )) . وقال أحدهم يصف الدعاة الأخيار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم : (( حنينون ، لينون ، أيسار بني يسر ، تقول لقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري ))!

•فأدعو الدعاة إلى لين الخطاب  ، وألا يُظهروا للناس التَّزمُت ولا الغضب ، ولا الفظاظة في الأقوال والأفعال ، ولا يأخذوا الناس أخذ الجبابرة ، فإنهم حكماء معلمون أتوا رحمة للناس ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )) الأنبياء .

فالرسول صلى الله عليه وسلم رحمة ، وأتباعه رحمة ، وتلاميذه رحمة ، والدعاة إلى منهج الله رحمة ، وعلى الداعية كذلك أن يُثني على أهل الخير ، وأن يُشاور إخوانه ولا يستبد برأيه . والله – سبحانه وتعالى – يقول : ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) آل عمران .. وقوا : ((  وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)) الشورى

فيشاور طلابه في الفصل ، ويشاورا إخوانه ، ويُشاور أهل الخير ممن هم أكبر منه سناً ، ويشاور أهل الدين ، ولا بأس أن يعرض عليهم حتى المسأل الخاصة كي يثقوا به ، ويخلصوا له النصح ، ويكونوا على قرب منه ، ويشاور أهل الحي ، وأهل الحارة ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جلب حب الناس بالمشاورة ، فكان يشاورهم حتى في المسائل العظيمة التي تلمّ بالأمة ، كنزوله في يوم بدر ، ومشاورته لأصحابه في الأسرى ( أنظر فتح الباري 13/399باب رقم 28 ) ونحو ذلك من الغنائم وأمثالها من القضايا الكبرى .

•فعلى الداعية أن يشاور المجتمع ولا بأس أن يكتب لهم بطاقات ، وأن يطلب آراءهم ، وإذا  وجد منهم مجموعه يقول : ما رأيكم يا إخوة في كذا ، وكذا  .. فإن رأي الاثنين أفضل من رأي الواحد ، ورأي الثلاثة أفضل من رأي الاثنين ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) آل عمران .

15 – حسن التعامل مع الناس وحفظ قدرهم :

فعلى الداعية أ ن يُثني على أهل الخير ، ويشكر من قدم له معروفاً ، فإن الداعية إذا أثنى على أهل الخير عرفوا أنه يعرف قدرهم ، وأنه يعرف الجميل ، أما أن تترك صاحب الجميل بلا شكر و المخطئ بلا إدانة وبلا تنبيه ، فكأنك ما فعلت شيئاً !

لا بدّ أن تقول للمحسن أحسنت ، وللمسيء أسأت ، لكن بأدب ، فكبار السن يحبون منك أن تحتفل بهم ، وأن تعرف أن لهم حق سن الشيخوخة ، وأنهم سبقوك في الطاعة ، وأنهم أسلموا قبلك بسنوات ، فتعرف لهم قدرهم .

•وكذلك العلماء والقضاة ،وأعيان الناس وشيوخ القبائل .. ونحو ذلك من أهل العلم والفضل ، وأهل المواهب كالشعراء الإسلاميين ، والكتاب الإسلاميين ، ومن لهم بلاء حسن ، والتجار الذين ينفقون في سبيل الله .. فتُظهر لهم المنزلة وتشكرهم على ما قدّموا حتى تحيي في قلوبهم هذا الفعل الخيَّر / كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : (( غفر الله لعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر )) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة 1/456 رقم 736 وإسناده ضعيف .. ، (( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم )) أخرجه الترمذي 3701 وحسنه الألباني في التعليق على المشكاة 3/1713 .. وكان يقول : (( دعوا لي أصحابي )) أخرجه أحمد في مسنده 3/266وصححه الألباني ...يعني أبا بكر الصديق ، وكان صلى الله عليه وسلم يشكر عمر ، ويخبر ما رأى عمر ، وكان يثني على هذا ، ويمدح هذا ، ويشكر هذا ، فإن هذه من أساليب التربية ، وليست من التملك في شيء .

 

16 – أن يعلن الدعوة للمصلحة ، ويسرَّ بها للمصلحة :

فعلى الداعية أن يعلن الدعوة للمصلحة ، يعلن بها حيث يكون الإعلان طيباً كالمحاظرة العامة ، والموعظة العامة في قرية أو بلدة أو في مدينة ، ولكنه إذا أتى ينصح شخصاً بعينه فعليه أن يسر الدعوة ، فيأخذة على حدة ، ويتلطف له في العبارة ، وينصحه بينه وبينه ، قال الشافعي – رحمه الله :

تغمدني بنصحك في انفرادِ

                            وجنبني النصيحة في الجماعه 

فإن النصح بين الناس نوع

                            من التوبيخ لا أرضى استماعه

فإن خالفتني وعصيت قولي

                            فلا تجزع إذا لم تُعط طــــاعـــه

•فيقصد أنه إذا خالفتني ونصحت الإنسان أمام الناس فلا تجزع فسوف يجابهك هذا ، وينتقم لنفسه ، وقد تأخذه العزة بالإثم وكم شكى لي بعض الشباب – حفظهم الله – أن بعض الناس قد جابهم في مجتمع من الناس أو انتقدهم فأصابهم من تذمر وانقباض واشمئزاز ! وهذا ليس من المصلحة في شيء .

17 – الإلمام بالقضايا المعاصرة والثقافة الواردة :

على الداعية أن يكون ملماً ومطلعاً على الأطروحات المعاصرة والقضايا الحالية ، ويتعرف على الأفكار الواردة ، فيقرأ الكتابات الواردة ، وليس بصحيح ما قاله بعض الناس حتى من الفضلاء بعدم قراءة كتب الثقافات الواردة ! فإن هذا ليس بصحيح ، فلو لم نقراء هذه الكتب ونطلع على هذه الثقافات ما عرفنا كيف نعيش ؟ وأين نعيش ؟ ولما عرفنا كيف نتعامل مع هؤلاء الناس ؟!.

* بل أرى أن على الدعاة أن يقرءوا الصحف والمجلات ، لكن بحيطة وحذر ، حتى لا يصل قليلو الثقافة إلى بعض المجلات الخليعة فتفسد عليهم قلوبهم ، لكن إن أرادوا أن يطلعوا فليطلعوا بانفراد وتأمل ، ليعرفوا أهدافهم ويعالجوا ذلك .

عرفت الشر لا للشرَّ لكن لتلافيه 

                             ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه 

وقال عمر – رضي الله عنه وأرضاه - : (( إنما تنتقض عُرى الإسلام عروة عروة من أناس ولوا في الإسلام ما عرفوا الجاهلية )).

فالذي لا يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام !

* فحق على الدعاة أن يطلعوا على هذه الثقافات – ما قلت – ومن يجد كتاباً فيه شبهة أو فيه نظر فليعرضه على من هم أعلى منه حتى يكون على بصيرة ، ونخرج بحلُّ إما بتنبيه أو بنصيحة عامة .

 18 – مخاطبة الناس على قدر عقولهم :

على الداعية أن يكون حاذقاً ، يخاطب الناس على قدر عقولهم ، فإذا أتى إلى المجتمع القروي تحث بما يهم أهل القريه من مسائلهم التي يعيشونها ،وإذا أتى إلى طلبة العلم في الجامعة حدثهم على قدر عقولهم من الثقافة والوعي . وإذا أتى إلى مستوى تعليمي أدنى تنزل إليهم في مسائلهم وتباطأ ، فإن لكل مسائل .

فمسائل البادية – مثلاُ - : الشرك أو السحر أو الكهانة أو الإخلال بالصلاة أو نحو ذلك .

ومسائل أهل الجامعة - مثلاُ - : الأفكار الواردة من علمنة وإلحاد وحداثة ، وشبهات وشهوات .

ومن مستوى الأدنى من ذلك : الجليس ، بر الوالدين ، حقوق الكبار ، حفظ الوقت ، قراءة القرآن .. ونحو ذلك .

* فلا بدّ من مخاطبة الناس على قدر عقولهم ، وعلى قدر مواهبهم ، وعلى قدر استعدادهم ، انظر إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم يخاطب معاذ بن جبل بخطاب لا يخاطب به غيره من الأعراب ، فيخاطبه عن العلم ، وعن أثر العلم ، وعن حفظ الله ، وعن حدود الله ، ويخاطب الأعراب عن التوحيد وأنه يقودهم إلى  جنة عرضها السماوات والأرض .. ونحو ذلك .

19 – ألا يسقط عيوبه على الآخرين : 

مما ينبغي على الداعية أن يَحذَرَ منه ألاّ ينتقد الآخرين ليرفع من قدر نفسه . (( وهو أسلوب الإسقاط )) كما يُسمّى هذا في التربية .. أن تسقط غيرك لتظهر أنت ، ويفعله بعض الناس من أهل الظهور وحبّ الشهرة – والعياذ بالله من ذلك – وأهل الرياء والسمعة ، فإنه إذا ذكر له عالم قال فيه كذا وكذا !! وإذا ذُكر له داعية ، قال : ما أرضى مسيره في الدعوة !! وإذا ذكر له كاتب انتقده ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيميه : - سقاه الله من سبيل الجنة - : (( بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح )).

فالذباب يترك البقعة البيضاء في جسمك ، فإذا كنت لابساً ثوباً أبيض وكنت متطيباً ، لا يقع الذباب عليه ! لكن إذا رأى جرح في إصبعك وقع عليه !

* وتجد أسلوب الإسقاط هذا عند بعض الناس يقول : شكر الله للداعية فلان كذا وكذا !! لا يترك الاستنقاد ولا يترك الانتقاد ، ولا يترك الاستثناء ، ولا يترك الاستدراك ، حتى يظهر هو كأنه هو الذي لا عيب فيه قط !

وتجد من الأساليب ( المدبلجة ) التي دبلها الشيطان على بعض الدعاة فإنه يأتي – مثلاً – ويدعو في قالب النصح للداعي ، ويريد أن ينتقصه ، فإذا ذكر له داع قال : هداه الله أسأل الله أن يهديه ، فتقول له : لماذا ؟ يقول : أسأل الله أن يهديه ( وكفى ) !

فتعرف أن وراء هذه الدعوة شيء ، وأنه يريد بها شيئاً آخر ، وهذا دعاء لا يؤجر عليه !

قال ابن المبارك : (( رُبَّ مستغفر أذنب في استغفاره ، قالوا : كيف ؟ قال : يُذكر له بعض الصالحين فيقول : أستغفر الله ، ومعناها أنه ينتقد عليه ، فلا يكتب له أجر هذا الاستغفار بل يسجل عليه خطيئة ! 

20 – أن يتمثل القدوة في نفسه :

على الداعية أن يتمثل القدوة في نفسه ، وأن يسدد ويقارب ، وأن يعلن أن خطأه يتضخَّم ! فالخطأ منه كبير ، وأن الناس ينظرون إليه .

قد هيأوك لأمر لو فطنت له

                          فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

فإنه أصبح أمامهم كالمرآة كلما وقعت فيها نقطة سوداء صغيرة كبرت وتضخمت ، فليتق الله في هذه الأمة حتى لا يكون سبباً لهلاك كثير من الناس ، فإنا رأينا كثيراً من العامة وقعوا في كثير من الخطايا بسبب فتاوى ، أو بسبب تصرفات اجتهادية من بعض الفضلاء ربما أوجروا عليها .. أخطئوا خطأ واحداً ، ولكن وقع بسببهم عالَم !! 

* قال بعض الفضلاء : زلة العالمِ  زلَّة عالَم !

فعليه أن يدرس القرار قبل أن يتخذه ، وعليه أن يدرس الخطوة التي يُريد أن يخطوها حتى لا يكون عرضة لتوريط كثير من الناس ! وكم جُوبه الإنسان بفتاوى من عامة الناس يستدلون بها بفعل بعض الفضلاء والأخيار ، وهذا خطأ عظيم !

 

21 – التآلف مع الناس : 

ينبغي للداعية أن يتآلف مع الناس بالنفع ، فيقدم لهم نفعاً ، فليست مهمة الداعية فقط أن يلاحقهم بالكلام ! أو يلقي عليهم الخطب والمواعظ ! لكن يفعل كما فعل رسولنا صلى الله عليه وسلم ، يتآلفهم مرة بالهداية ومرة بالزيارة ، ولا بأس بالدعوة ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس وآلفهم وأعطاهم وأهدى لهم ، بل كان يعطي الواحد منهم مائة ناقة ، وكان يأخذ الثياب الجديدة ، وكان يعانق الإنسان ويجلسه مكانه ، فهذا من التآلف .

* وليست هناك صعوبة لتأليف كثير من الناس ، وردهم إلى الله  - عز وجل – مثل تأليف كثير من الشباب العصاة .. إذا رأيت شاباً عاصياً وعلمته ، أو وجدت  شاباً لا يستطيع الزواج ودفعت له المهر أو شيئاً من المهر ، وقلت له أن يصحبك لصلاة الجماعة ، وأن يعود إلى الله وأن يتوب .

أن تتآلف إنساناً تراه – مثلاً – مدمناً للمخدرات بشيء من المال بشرط أن يتركها ويجتنبها وهكذا .

22 – أن يكون عند الداعية ولاء و براء نسبي :

ينبغي على الداعية أن يكون عنده ولاء وبراء نسبي ، حُبّ وبغض ، على حسب طاعة الناس ، وعلى حسب معصيتهم ، ولا تحب حباً مطلقاً لمن فيه طاعة ، ولا تبغض بغضاً مطلقاً لمن فيه معصية ، ولكن تحب الإنسان على  قدر طاعته وحبه لله ، وتبغضه على قدر معصيته ومخالفته لله ، فقد يجتمع في الشخص الواحد حب وبغض ، تحبه لأنه يحافظ على صلاة الجماعة ، وتبغضه لأنه يغتاب الناس !

تحب شخصاً آخر لأنه يعفي لحيته ، وتبغضه لأنه يسبل ثوبه ، فيجتمع في الشخص الواحد حب وطاعة ! 

 23 – أن يكون الداعية اجتماعياً : 

على الداعية أن يشارك الناس أحزانهم ، ويحل مشكلاتهم ، ويزور مرضاهم ، فالانقطاع عن الناس ليس بصحيح ، فإن الناس إذا شعروا أنك معهم تشاركهم أحزانهم وأتراحهم تعيش مشكلاتهم ، أحبوك ، ولذلك أقترح على الدعاة أن يحضروا حفلات الزواج ، وقد يتعذر أحياناً عن عدم حضور حفلات الزواج لما عنده من إرهاق ، فلا يعني ذلك أنه لا يحب المشاركة ، لكن يحضر الزواج ، فيبارك للعريس ، ويبارك لأهل البيت ، ويفرح معهم ، ويقدم الخدمات ، ويرونه متكلماً في صدر المجلس ، يرحب بضيوفهم معهم ، فيحبونه كثيراً .

* وأقترح أن يقدم الدعاة أطروحات لمن أراد أن يتزوج ويقولون له : نريد أن نساعدك وأن نعينك ، فماذا ترى وماذا تقترح علينا لنقدم لك ما يُساعدك على ذلك ؟ وكذلك إذا سمع بموت ميت ، أن يذهب إلى أهله ويواسيهم ويسليهم ، ويلقي عليهم الموعظة .

كيف يراك الناس تدعوهم يوم الجمعة ، ثم لا يرونك في أفراحهم أو في أحزانهم ؟!

•وكذلك تساهم في حل مشكلاتهم ، فالداعية مصلح ، وحينئذٍ يكسب ود الناس ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه تأخر عن صلاة الظهر مرة كما ورد في البخاري لأنه ذهب إلى بني عمر ابن عوف يحل مشكلاتهم ، ويصلح فيما بينهم .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع عن مريض ، حتى من الأعراب البدو في طرف المدينة ، ذهب بأصحابه يزوره !

وهذا من أعظم ما يمكن أن يحبب الداعية في نفوس الناس .

24 – مراعاة التدرج في الدعوة :

كذلك ينبغي للداعية أن يتدرج في دعوته ، فيبداء بكبار المسائل قبل صغارها ، فلا يُقحم المسائل إقحاماً ، فبعض الدعاة يذهبون إلى أماكن البادية في بعض القرى فيريد أن يصب لهم الإسلام في خطبة جمعة واحدة ! 

وما هكذا تعرض المسائل !!

عليك أن تأخذ مسألة واحدة تعرضها عليهم ، وتدرسها معهم كمسألة التوحيد ، أو مسألة المحافظة على الصلوات ، أو مسألة الحجاب ، أما أن تذكر لهم في خطبة واحدة أو في درس واحد مسائل التوحيد ، والشرك ، والسحر ، والحجاب ، والمحافظة على الصلاة ، وحق الجار ، فإنهم لا يمكن أن يحفظوا شيئاً .

أوردها سعد وسعد مشتمل *** ما هكذا تورد يا سعد الإبل 

يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن ، يقول له : (( أوّل ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوك فأخبرهم أن الله فرض عليم خمس صلوات في اليوم والليلة )).

* هكذا يعرض الداعية ، لا تأتي إلى ناس لا يصلون وتطالبهم بتربية اللحى !! فماذا ينفع في الإسلام أن يربي الناس لحاهم ، وهم لا يصلون ؟!

وكذلك لا تطالبهم بصغار المسائل حتى تخرج أنت وإياهم على مسائل كبرى ، تتفقون على قدر مشترك ، وتحاول بأساليب مختلفة .. مرة بالموعظة ، ومرة بالخطبة ، ومرة بالرسالة ، ومرة بالندوة ، ومرة بالأمسية ، حتى تسلك السبل كافة 

•فإن بعض الناس قد يتأثر بخطبة الجمعة ولا يتأثر بالدرس ، وبعضهم على  العكس  من ذلك ، وأحياناً يكتب لهم رسالة ، وأحياناً يتصل بهم بالهاتف ، وأحياناً يرسل لهم بعض الدعاة . فأرى أن تجديد الأسلوب مطلوب في عصر جُدّدت فيه أساليب الباطل ! 

والله يُخبر عن أهل الباطل أنهم أكثر مالاً ، وأكثر أنفاقاً ، وأكثر وسائل ، قال : (( فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ )) الأنفال .

لذلك لا ييأس الإنسان من قلة وسائله ، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كانت ثقافات العالم حوله في جزيرة العرب – إمبراطورية كسرى وإمبراطورية قيصر – يملكون كل الإمكانيات الضخمة ، ومع ذلك كان هو في بيته المبني من الطين وبوسائله البسيطة ، ولكن مع الإخلاص والصدق بلغه الله ما تمنى ، وبلغ الدين مشارق الأرض ومغاربها !

25 – أن يُنزل الناس منازلهم :

كذلك ينبغي على الداعية أن ينزل الناس منازلهم ، فلا يجعل الناس سواسيه ، فالعالم له منزلة ، والمعلم له منزلة ، والقاضي له منزلة ، وهكذا  : (( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ )) البقرة .. فليس الناس عنده في منزلة واحدة .

وهذا ليس نوعاً من التفريق أو التمييز العنصري ، بل هذا من أدب الإسلام . يختلف لقاء هذا عن ذاك ، وتختلف نزلة  هذا عن ذاك ، وبعضهم لا يرضى إلا بصدر المجلس ، وبعضهم لو عانقته  يكون له عناق مختلف ، وبعضهم له عناق آخر !

* فإنزال الناس منازلهم من الحكمة التي ينبغي أن يتحلى الداعية في تعامله مع الناس ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان ينزل الناس منازلهم ، كما جاء في صحيح مسلم ورواه مسنداً أبو داود ، وهو صحيح من كلام عائشة .

26 – أن يُحاسب نفسه وأن يبتهل إلى الله :

 على الداعية - أيضاً – أن يُحاسب نفسه محكّماً في ذلك قوله ، فيسمع لقوله إذا قال ، ويُحاسب نفسه على عمله ! هل هو ينفذ ما يقول أم لا ؟ وهل يطبق ما أمر به أم لا ؟ . ثم يسأل ربه العون والسداد ، وعليه أن يبتهل إلى الله في أول كل كلمة ، وأول كل درس ، ويسأل الله – عز وجل – أن يُسدده ، وأن يفتح عليه ، وأن يهديه .

ومما يؤثر في ذلك ، ما ورد في الحديث (( اللهم بك  أصول ، وبك أجول ، وبك أحاول )).

وكان من العلماء إذا أرادوا أن يدرسوا الناس سألو الله بهذا الدعاء ، وبعضهم كان يقول : (( اللهم افتح علي من فتوحاتك )) وبعضهم يقول : (( اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك )) .

فإن الإنسان لو اعتمد على قدراته وإمكاناته وذاكرته وصوته تقطعت به السُبل ، فليس لنا معين إلا الله .

* فعلى الداعية إذا أراد أن يصعد المنبر يوم الجمعة أن يبتهل إلى الله أن يسدد كلماته وعباراته ، وأن يهديه سواء السبيل ، وأن ينفع بكلامه ، وأن يلهمه رشده ، فإنه لو شاء الله – عز وجل – ما استطاع أن يواصل ، ولو شاء الله – سبحانه وتعالى – خانته العبارة ، أو أتى بعبارة ربما تورطه ، وتورط الناس معه ! أو أتى بعبارة خاطئة تخالف الدين ! فعليه أن يسأل الله السداد والثبات ، فإن من يسدده الله – سبحانه وتعالى – فهو المسدد ، ومن خذله الله فهو المخذول .

27 – أن يكون متميزاً في عباداته :

فيجب أن يكون للداعية نوافل من العبادات ، وأوراد من الأذكار والأدعية ، فلا يكون عادياً مثل سائر الناس ، بل يكون له تميز خاص ، يحافظ على الدعاء بعد الفجر ، والدعاء بعد الغروب ، حتى يحفظه الله – سبحانه وتعالى – ويكون له وقت إشراق مع نفسه ، يحاسب نفسه بدعاء وبكلمات مباركة بعد الفجر ، ويكون له ورداً يومي بعيداً عن أعين الناس ، يقرأ فيه كثير من القرآن  ، ويتدبر أموره ، ويكون له مطالعة في تراجم السلف ، لأن كثرة الخلطة مع الناس تُعمي القلب ، وتجعل الإنسان مشوش الذهن ، وقد يقسو قلبه بسبب ذلك ، فلا بد من العزلة ، أو ساعه من الساعات أو بعض الأوقات في اليوم والليلة ، يعتزل وحده فلا يجلس مع زائر ، ولا يلتقي بأحد ، ولا يتصل بهاتف ، ولا يقرأ إلا ما ينفعه ، ثم يحاسب نفسه على ذلك .

28 – أن يتقلل من الدنيا ويستعد للموت :

على الداعية أن يتفكر في الارتحال من هذه الدنيا ، ويدرك أنه قريب سوف يرتحل ، وأن الأجل محتوم ! سوف يوافيه ، فلا يغتر بكثرة الجموع ، ولا بكثرة إقبال الناس ، فإن الله يقول : (( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً)) مريم .

ويعلم أنه سوف يموت وحده ! ويُحشر وحده ! ويُقبر وحده ! وأن الله سوف سأله عن كل كلمة قالها ، فيتأمل : لماذا يدعو ؟ ولماذا يتكلم ؟ وبماذا يقول ؟ ولماذا ينطق ؟ حتى يكون على بصيرة .

* كذلك على الداعية أن يتقلل من الدنيا تقللاً لا يحرجه ، فخير الأمور أوسطها ، يسكن كما يسكن أواسط الناس ، ويلبس كما يلبس أواسط الناس ، مع العلم أن هناك حيثيات قد تخفى على كثر من الناس .

29 – أن يكون حسن المظهر :

بعض الناس يرى أن على الداعية أن يلبس لباس الفقراء ! أو يلبس لباساً من أوضع اللباس ! وهذا ليس بصحيح ، فإن الله – عز وجل – قد أحل الطيبات ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى التجمل بقوله : (( تجملوا كأنكم شامة في عيون الناس ))

 وقال : (( إن الله جميل يحب الجمال )) أخرجه أبو داود 4089 

وقد يكون من المطلوب أن يكون الداعية متجملاً ، متطيباً ، ويكون مجلسه وسيعاً ، يستقبل فيه الأخيار البررة ، وأن يكون له مركب طيب ، فإن هذا لا يعارض سنة الله – عز وجل – ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، بل عليه كذلك أن يكون له في كل حالة بما يُناسبها .

إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعتني بذلك ، في صلاة الاستسقاء خرج في لباس متبذل قديم يظهر الخشية والخشوع والفقر أمام الله – عز وجل – ولكنه في الأعياد لبس بُردة تساوي ألف دينار ، خرج بها أمام الناس ، أهديت له قيمتها مائة ناقة !

* فيجب أن يلبس لكل حالة لبوساً ، إما نعيمها ، وإما بؤسها .. ف‘نه من الإجحاف أن يُطالب الدعاة أن يعيشوا في بيوت طين في هذا العصر الذي ما تبنى فيه البيوت إلا الفلل !! وإنه لمن الإجحاف كذلك أن نُطالب الدعاة أن يجلسوا على الخصف ، ويجلس الناس على الكنب الوثير ! أو أن نُطالب الداعية أن يلبس لباساً ممزقاً قديماً ! أو يكتفي بثوب واحد طوال السنة ! مع العلم أن الله واسع عليم ، وأن الله يحب أثر نعمته على عبده .

* ولكن على الداعية ألا يتشاغل بالدنيا تشاغلاً يعميه عن طريقه ، فإنه من الحسرة أن تجد كثيراً من الدعاة ، أو بعض المشايخ ، أو بعض طلبة العلم غارقاً في الدنيا إلى أذنيه ، له من المؤسسات وله من الشركات ، وله من الدور ، ما يشغله عن الدعوة ! 

لا نعارض أن يكون لطلبة العلم تجارة ، وأن يكون لهم مشاريع في الارض ، وأن يكون لهم دخل ، فهذا مطلوب ، كما فعل عثمان وابن عوف ، وغيرهم من الصحابة ، لكن أن يستغرق طالب العلم والداعية وقتاً في هذه الأمور .. فتجده دائماً في مكاتب العقارات في البيع والشراء ، في السندات ، مع الشيكات ، ويترك الأمة للمهلكات ! هذا ليس بصحيح ، وهذا مخجل ، فإن الله – عز وجل – استخدمك في أحسن طاعة .

* وكذلك يجب على الداعية أن يهتم بمظهره الشخصي ، وأن تكون حليته إيمانية ، وأن يظهر عليه الوقار والسكينة ، وأن يلبس لباس أهل الخير ، وأهل العلم ، فإن لكل قوم لباساً ، ويمشي مشية أهل العلم ، ويكون مظهره جميلاً ، ويعتني بخصال الفطرة ، كالسواك وتقليم الأظافر ، وأن يكون متطيباً ، محافظاً على الغسل ، يحافظ على مظهره .. حتى يمثل الدعوة تمثيلاً طيباً أمام الناس .

* أن يكون للدعاية شخصيته المستقلة :

إن على الداعية ألا يتقمص شخصية غيره ، وألا يذوب ذوباناً في بعض الشخصيات ، فتجد بعض الدعاة إذا أحب داعية آخر ، أو عالماً آخر قلده في كل شيء حتى في صوته ! وحتى في مشيته ! وحتى في حركاته ! فذاب في شخصية ذاك ! 

ويُروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله : (( لا يكن أحدكم إمعة ، إن أحسن الناس أحسنت ، وإن أساءوا أسأت )) أخرجه الترمذي 2007 من حديث حذيفه وإسناده ضعيف .

ولكن إن أحسن الناس فأحسن وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم ، فذوبان الشخصية ليس مطلوباً للداعية .

فإن عليك أن تستقل بشخصيتك ، وتعلم أن الله خلقك نسيجاً وحدك ، وأن الأرض ما تستطيع - بإذن الله عز وجل - أن تخرج واحداً مثلك ، فأنت من بين الملاين التي خلقها الله منذ آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وحدك ، صوتك لا يشابهك فيه أحد ، وملامح جسمك واستعدادك ، وما عندك من مواهب ، كل هذه تختلف فيها عن غيرك ، وقد كانت العرب تكره أن يتقمص الإنسان شخصية غيره .

قالوا عن الطاووس : إنه أراد أن يقلد الغراب في مشيته فنسي مشيته ، وما ستطاع أن يقلد مشيت الغراب !! 

وهذا ينطبق على القراء .. فإن القارئ يريد أن يقلد قارئً آخر فيتعب فلا أحسن صوت ذاك ولا أسمع صوته المعهود الذي منحه الله – عز وجل – إلا إذا كان يستطيع أن ينطق مثل صوت ذاك بدون كلفه ، وصوته جميل مثل صوت ذاك ، فلا بأس إنشاء الله . 

فينبغي أن تكون للداعية شخصيته المستقلة ، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، كلاٌ على حسب شخصيته ، فأثنى على قوة عمر فقال : (( مثلك يا عمر  كمثل نوح وكمثل موسى )) وأثنى على أبي بكر في رقته ، فقال : (( ومثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم وكمثل عيسى عليهم السلام )). فالقوي يبقى على قوته لكن فيما ينصر به الدين .

*والإسلام بحاجة إلى من هو قوي في رأيه وإرادته ، وفي حاجة لمن هو رقيق رحيم ، فإن هذا له باب ، وهذا لهُ باب ، كما نحتاج إلى طاقات الناس قد سلف معنا كثيراً أن الرسول صلى الله عليه وسلم نوع اختصاصات الناس وجعلهم على جبهات بسبب مواهبهم ، فسيد القراء أبي بن كعب ، وحسان شاعر النبي صلى الله عليه وسلم ، وزيد بن ثابت أفرض الناس ، وأبو بكر له مهمة الإدارة ، وعمر لهُ مهمة القوة والصرامة والحزم ، وقس على ذلك . 

30 – أن يهتم بأمور النساء :

كذلك على الداعية أن يهتم بجانب النساء ، بعالم النساء ، فلا يغفل هذا الجانب بكلامه ، ولا في محاضراته ، لأنهن نصف المجتمع ، وكل ما في هذا الكتيب إنما هو موجه إلى المرأة المسلمة أيضاً .

نسأل الله سبحانه وتعالى- أن يرضى عنا ، وأن يسدد منا الأقوال والأفعال ، وأن يتولانا فيماً تولى ،وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا .

 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

 

الأخلاق الكريمة مشترك إنساني أطبقت الشرائع على تطلبه والثناء عليه وفضيلة السعي في تحصيله. وهو جزء أساس وضروري من مضمون الرسالات حتى قال صاحب الرسالة الخاتمة –صلى الله عليه وسلم-:" ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء "" ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء "
الأخلاق الكريمة مشترك إنساني أطبقت الشرائع على تطلبه والثناء عليه وفضيلة السعي في تحصيله. وهو جزء أساس وضروري من مضمون الرسالات حتى قال صاحب الرسالة الخاتمة –صلى الله عليه وسلم-: " إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ" (الموطأ والبيهقي والحاكم بلفظ "صالح الأخلاق").
وها هنا حصر يدل على تعاظم أهمية الأخلاق ورسوخها.
ولا أجدني محتاجاً إلى الاسترسال في هذا المطلب؛ لأنه مما أجمع عليه الناس فحتى الذين يحاربون الأخلاق أو يمارسون نقيضها؛ يعترفون بألسنتهم بقيمتها العالية ومكانها الرفيع!
وقد يتكلف المرء الخلق في حال ما .. اعتياداً وتدريباً وهذا جيد.
وفي الأثر عن أبي الدرداء، ويروى مرفوعاً: "إِنَّمَا العِلمُ بِالتَّعلُّمِ والحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ وَمَن يَتَحَرّ الخيرَ يُعْطَه ومن يَتوقَّ الشر يُوقه" (الخطيب البغدادي في تاريخه بسند حسن وابن عساكر في تاريخه).
لكن من المذموم جداً أن يتظاهر المرء بالخلق استغفالاً للآخرين واستجلاباً لمصلحة أو مداراة لظرف خاص.

إن المحك الحقيقي للخلق الكريم هو الدأب والديمومة؛ ولذا قيل عن السفر: إنه يسفر عن أخلاق الرجال.
فالخلق الحق يتجلى في البيت حين يتعامل المرء مع زوجه سنوات طوالاً في العسر واليسر والمنشط والمكره ويحاول أن يظل ممسكاً بزمام نفسه متحلياً بالصبر معرضاً عن اللغو متسامحاً كريماً فالخلق الصادق يبين على محك الزوجية والأسرة.
وهكذا في الصحبة حين يكون الصاحب وفياً لا تغيره الأحوال.
وما أندر الأوفياء!
يا أوفياء وما أحلى الوفاء على.....تقلب الدهر من مُعط ومستلب
أفديكمُ عصبةً لله قد خلصت.....فما تَغَيَّرُ في خصب ولا جدب

وما أكثر الذين يظن المرء أنهم عدته للدهر فإذا هم عون للشدائد عليه.
كما قال ابن صمادح:
وزهَّدني في الناس معرفتي بهم.....وطُول اختباري صاحباً بعد صاحبِ
فلم تُرِني الأيامُ خِلّاً يسرُّني....       .مباديه إلا ساءني في العواقبِ
ولا قلت أرجوه لكشف مصيبة.....من الدهر إلا كان إحدى المصائب

وتظل الحياة تجمل وتطيب بكم أيها الأوفياء الأخفياء الذين آليتم على أنفسكم ألا تغيركم الأحداث ولا تهزكم العواصف!.
فلله أنتم ما أندركم!
وما أطيب معدنكم!
فطول الصحبة والزمالة والاختلاط تكشف متانة الأخلاق من سطحيتها .

وثمة محك آخر يكشف عن صدق الأخلاق من كذبها، وهو:

 القوة والقدرة:

فالضعيف قد يبدو حسن الخلق هادئ الطبع مسالماً ليس لأن هذا من طبعه ولكن لأنه يعجز ...!
وفي هذا يقول المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد   ذا عـــفة فلعلة لا يظــلم

ولعل المتنبي أخذ هذا القول من قول أرسطو: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين: علة دينية، أو علة سياسية لخوف الانتقام.

وقد قرأت في كتاب "الفروع" (1/535) لابن مفلح كلاماً منقولاً عن ابن الجوزي يضرب في صميم الهدف حيث يقول: رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ يَعْمَلُونَ عَمَلَ الْعَوَامّ، فَإِذَا صَلَّى الْحَنْبَلِيُّ فِي مَسْجِدِ شَافِعِيٍّ وَلَمْ يَجْهَرْ غَضِبَت الشَّافِعِيَّةُ، وَإِذَا صَلَّى شَافِعِيٌّ فِي مَسْجِدِ حَنْبَلِيٍّ وَجَهَرَ غَضِبَتْ الْحَنَابِلَةُ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَالْعَصَبِيَّةُ فِيهَا مُجَرَّدُ هَوًى يَمْنَعُ مِنْهُ الْعِلْم قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
رَأَيْت النَّاسَ لَا يَعْصِمُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ إلَّا الْعَجْزُ. وَلَا أَقُولُ الْعَوَامُّ، بَلْ الْعُلَمَاءُ، كَانَتْ أَيْدِي الْحَنَابِلَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَيَّامِ ابْنِ يُوسُفَ، فَكَانُوا يَتَسَلَّطُونَ بِالْبَغْيِ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْفُرُوعِ، حَتَّى لَا يُمَكِّنُوهُمْ مِنْ الْجَهْرِ وَالْقُنُوتِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، فَلَمَّا جَاءَتْ أَيَّامُ النَّظَّامِ وَمَاتَ ابْنُ يُوسُفَ وَزَالَتْ شَوْكَةُ الْحَنَابِلَةِ اسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ اسْتِطَالَةَ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ، فَاسْتَعْدَوْا بِالسِّجْنِ، وَآذَوْا الْعَوَامَّ بِالسِّعَايَاتِ، وَالْفُقَهَاءَ بِالنَّبْزِ بِالتَّجْسِيمِ، قَالَ: فَتَدَبَّرْت أَمْرَ الْفَرِيقَيْنِ، فَإِذَا بِهِمْ لَمْ تَعْمَلْ فِيهِمْ آدَابُ الْعِلْمِ، وَهَلْ هَذِهِ [الْأَفْعَالُ] إلَّا أَفْعَال الْأَجْنَادِ يَصُولُونَ فِي دَوْلَتِهِمْ، وَيَلْزَمُونَ الْمَسَاجِدَ فِي بَطَالَتِهِمْ " انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ .
وهذا لعمر الله كلام مجرِّب عركته الليالي وخبر الناس وخبزهم!

ففي القوة تتبين الأخلاق فإذا حافظ المرء في سلطانه أو غناه أو مجده أو قدرته على مكارم الأخلاق وحفظ الود والتزم التواضع وعفا عن المسيء كان ذلك دليلاً على شرف نفسه وطيب محتده وكرم عنصره...
ومن لي بمثل هذا!
من الذي لا يغيره المنصب؟! أو الغنى الطارئ؟! أو الشهرة؟!

والمحك الثالث: هو الاختلاف.
فجل الناس يتخلقون مع نظرائهم ومشاكليهم وأصحابهم وموافقيهم إذ هو هنا مصلحة متبادلة لكن حين يقع الاختلاف في الرأي أو الموقف أو الاجتهاد أو التنازع على أمرٍ، فكرياً كان أو مادياً تنكشف دخيلة الإنسان وتبدو حقيقته.
فهذا شريف عزيز يحافظ على هدوئه واتزانه ويعبر عن اختلافه بلغة واضحة ولكنها راقية ليس فيها طعن ولا تشهير ولا تذرع بالقول المسف ولا اتهام ولا تجريح ولا استعلاء ولا استعداء؛ لأن الخلق يحجز صاحبه عن كل هذا ... فيدار الحديث مع تباين الرأي على ضبط النفس، وتحكيم العقل، ودفع نزوة الانفعال المرذول التي لا تدل على أكثر من نقص صاحبها وعجزه عن إلجامها.
وآخر يفلت زمامه، فيتهم ويجرح ويتقوّل ويسخر ويزدري ويجعل لنفسه الحسنى ولغيره السوأى وتنهار حصونه الأخلاقية أمام غضبة في غير محلها.
ويتطور به الحال إلى اختراع الأقاويل وادعاء ما لا حقيقة له، اللهث وراء الأغلوطات وتحريف الكلم عن مواضعه
وهكذا يكون الالتزام الأخلاقي في امتحان أمام أزمة الاختلاف.
وحين يقول الناس: (الاختلاف لا يفسد للود قضية) فهذا معنى حسن في ظاهره لكن العبرة بالامتثال الواقعي الحي وليس بالتنظير المجرد.
وقد سمعت يوماً بيتين من الشعر العامي تفيضان رقة وعذوبة، يقول قائلها:

على رفيقي ما يتغضب حجاجي.....إن قال:قم.سو الغرض، قمت أسويه
أدرى رفيقي مثل ضو السراج.....       أقل نسناس من الريح يطفيه!

ثم علمت أن قائلها انتهك الحرمات، وتجرأ على الدم الحرام، فما أوسع الفرق بين اللغة الرقيقة مع ( الرفيق )، ولغة السلاح مع المخالف!
وقد كنت حيناً من الدهر أرقب بعض الشباب المتدين حين يختلفون فأقرأ من رديء القول وشططه ما تدمع له العين ويحزن القلب من التسفيه والشتم والتسارع إلى الرمي بالبدعة والفسق والكفر والخيانة ...
وكنت أقول لنفسي: متى تنتهي هذه النزعات المريضة؟!
متى نرتقي إلى المستوى الأخلاقي الجدير بأمة اصطفاها الله وفضلها؟
متى نتمثل قيم القرآن والسنة في ضبط العلاقة حتى مع الأعداء: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)؟
متى ندرك أن بعض دوافعنا مزاجية عاطفية تنطلق من ذواتنا وإن تلبست بلبوس الغيرة الدينية؟!
متى..؟ متى..؟ ...

ثم تأملت مسالك بعض الكتبة ممن ينظر إليهم على أنهم (نخب مثقفة) وليسوا عامة أو دهماء؛ فوجدتها لا تختلف, إن لم تكن أسوأ وأكثر ازدواجية وأقل حياء.
فهناك شعور كامن يشجع على الانقضاض والافتراس ( نحن هنا في غابة ) والروح العدوانية في حالة تربص, وبمجرد ظهور نزعة اختلاف فكري أو سياسي تزول قشرة التمظهر ونبدو بعضنا مع بعض أشد ضراوة مما نحن عليه مع أعدائنا الحقيقيين .
وهنا أجدني مرة أخرى متسائلاً:

متى نتعلم أن نختلف ونحافظ على علاقاتنا, بل على الصورة التي نريد أن يأخذها الآخرون عنا؟!
متى نحول نظرياتنا الأخلاقية إلى برنامج عمل واقعي؛ يستمر معنا في حياتنا كلها مهما طال اتصالنا ببعض؟ ويستمر معنا حين نكون أقوياء, حين نرتقي إلى مناصب إدارية, أو مواقع إعلامية, أو وجاهة اجتماعية, أو منزلة تجارية!
ويستمر معنا حين نختلف فلا نطيح بعلاقاتنا ولا نسكت على الخطأ أو الرأي المختلف: { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} .
وبالصراحة ... أقول هذا القول ... فيحرن القلم ويتباطأ ... ويقول: أأنت كذلك؟
فأقول: لا, ولكني أعدك بأني سأحاول, ومهما تكرر الفشل ... سأحاول.
والسلام

>>> يتبع المقال السابق ..

7 – عدم الهجوم على الأشخاص بأسمائهم :

من مواصفات الداعية ألا يُهاجم الأشخاص ب؟أسمائهم ، فلا ينبذهم على المنابر بأسمائهم أمام الناس ، بل يفعل كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول : (( ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا )). 

فيعرف صاحب الخطأ خطاه ولكن لا يُشهر به .

أما إن كان هناك رجل  جاهر الله بكتاباته أو بانحرافاته أو بأدبه أو ببدعته ، أو بدعوته إلى المجون ، فهذا لا بأس أن يُشهر به عند أهل العلم ، حتى يبين خطره ، فقد شهر أهل العلم بالجهم بن صفوان ، وقال ابن المبارك في الجهم : هذا المجرم الذي قاد الأمة إلى الهاوية ، وابتدع في الدين قال : عجبت لدّجال دعا الناس إلى النار . واشتق أسمه من جهنم ، وشهّروا كذلك بالجعد بن درهم ، وكتبوا أسماءهم في كتب الحديث ، وحذروا الناس منهم في المجالس العامة والخاصة ، فمثل هؤلاء يُشهر بهم ، أما الذين يُتكتم على أسماءهم فهم أُناس أرادوا الخير فأخطأوا ، وأُناس زلت بهم أقدامهم ، وأُناس أساءوا في مرحلة من المراحل ، فهؤلاء لا تُحاول أن تُظهر أسماءهم في قائمة سوداء فقد يغريهم هذا إلى التمادي في الخطأ ، وقد تأخذهم العزة بالإثم !

8 – الداعية لا يزكي نفسه عند الناس : 

على الداعية ألا يُزكي نفسه عند الناس ، بل يعرف أنه مقصر مهما فعل ، ويحمد ربه سبحانه وتعالى أن جعله متحدثاً إلى الناس ، مبلغاً عن رسوله صلى الله عليه وسلم ، فيشكر الله على هذه النعمة ، فإن الله قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : (( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً )) وقال له في آخر المطاف بعد أن أدى الرسالة كاملة ((  إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً )) 

•قال أهل العلم : أمره أن يستغفر الله

فلا يأتي الداعية فيزكي نفسه ، ويقول : أنا آمركم دائماً وتعصونني ! وأنهاكم ولا تمتثلوا  نهيي ! وأنا دائماً ألاحظ عليكم .. وأنا دائماً أرى ، وأنا دائماً أقول ، أو أنا دائماً أُحدث نفسي إلى متى تعصي هذه الأمة ربها ؟!

•فيخرج نفسه من اللوم والعقاب ، وكأنه بريء !! فهذا خطأ . بل بل يجعل الذنب واحداً ، والتقصير  واحداً ، فيقول لهم : وقعنا كلنا في هذه المسألة ، وأخطأنا كلنا ، فما نحن إلا أسرة واحدة ، فربما يكون من الجالسين من هو أزكى من الداعية ، ومن هو أحب إلى الله ، وأقرب إليه منه !

9- عدم الإحباط من كثرة الفساد والمفسدين :

فينبغي ألا يصاب الداعية بالإحباط ، وألا يصاب بخيبة أمل ، وهو يرى الألوف المألفة تتجه إلى اللهو ، وإلى اللغو ، والقلة القليلة تتجه إلى الدروس والمحاضرات ، فهذه سنة الله في خلقه ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) الأحزاب

فإن الله ذكر في محكم تنزيله أن أهل المعصية أكثر ، وأن الضلال أكثر وأن المفسدين في الأرض أكثر ، فقال : ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ )) سبأ .. وقال : ((وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )) الأنعام .. وقال سبحانه وتعالى : ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ )) يوسف . وقال : ((أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )) يونس .. وقال : ((لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)) الغاشية .. (( لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ )) الأنعام .. (( إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ)) الشورى .. فنحن لا نملك سوطاً ولا عصى ، ولا عذاباً ولا حساباً ، إنما نملك حبّا ودعوة وبسمة ونقود الناس بها إلى جنة عرضها السماوات والأرض  ، فإن أجابوا حمدنا الله ، وإن لم يستجيبوا ورفضوا أوكلنا أمرهم لله الذي يحاسبهم – سبحانه وتعالى .

قال بعض العلماء : ( الكفار في الأرض أكثر من المسلمين ، وأهل البدعة أكثر من أهل ألسنه ، والمخلصون من أهل ألسنه أقل من غير المخلصين )!

•ومن صفات الداعية أيضاً أنه يعيش واقع الناس ويقرأ حياتهم ويتعرف على أخبارهم ، وقال – سبحانه وتعالى – لرسوله صلى الله عليه وسلم : (( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ )) الأنعام ..

ومن حكمة الله - سبحانه وتعالى – أنه أحيا رسوله أربعين سنة في مكة ، عاش في شعاب مكة ، وفي أودية مكة ، عرف مساربها ومداخلها ، عرف الأطروحات التي وقعت في مكة ، وعرف بيوت أهل مكة ، واعترض الكفار . وقالوا : (( لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ )) الأنعام .. فالله – سبحانه وتعالى – ذكر أنه لا بد أن يكون بشراً ، يعيش آمال الناس ، ويعيش هموم الناس و مشاكلهم ، ويعرف احتياجاتهم .

•فحق على الداعية أن يقرأ واقعة ، ويستفيد من مجتمعه ، وأن يعرف ماذا يدور في البلد ؟ وماذا يقال ؟ وما هي القضايا المطروحة ؟ ويتعرف حتى على الباعة ، وعلى أصناف التجار ، وعلى الفلاحين ، وعلى طبقات الناس ، وأن يلوح بطرفه في الأماكن ، وفي مجامع الناس ، وفي الأسواق وفي المحلات ، وفي الجامعات ، وفي الأندية ، حتى يكون صاحب خلفية قوية ، ويتكلم عن واقع يعرفه .

لذا جعل أهل العلم من لوازم الداعية إذا أتى إلى بلد أن يقرأ تاريخ هذا البلد ، وكان بعض العلماء إذا سافروا إلى الخارج يأخذون مذكرات عن البلد ، وعن تاريخه ، وعن جغرافيته ، وعن متنزهاته ، ويتعرفون على طبيعة أهله ، وكيف يعيشون وماذا يحبون ، وماذا يكرهون ؟! ويتعرفون على كيفية التربية في هذا البلد .. حتى يتكلمون عن بصيرة .

10 – عدم المزايدة على كتاب الله :

فإن بعض الوعّاظ والدعاة يحملهم الإشفاق والغيرة على الدين على أن يزيدوا عليه ما ليس فيه ، فتجدهم إذا تكلموا عن معصية جعلوا عقابها أكثر مما جعله الله – عز وجل – حتى إن من يريد أن ينهى عن الدخان وعن شربه يقول مثلاً : ( يا عباد الله ، إن من شرب الدخان حرَّم الله عليه دخول الجنة ، وكان جزاؤه جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ) !!

هذا خطأ ، لأن هناك موازين في الشريعة .. هناك شرك يخرج من الملة . وهناك كبائر ، وهناك صغائر ، وهناك مباحات . قد جعل الله لكل شيء قدراً .

فوضع الندى في موضع السيف بالعلا      مضر كوضع السيف في موضع الندى

فعلى الداعي ألاّ يهول على الناس في جانب العقاب ، كما عليه ألا يهول عليهم في جانب الحسنات كأن يستشهد بالحديث – وهو ضعيف – الذي يقول : ( صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بلا سواك ) انظر الفوائد المجموعه في الأحاديث الموضوعه للشوكاني رقم 22 .. وحديث – وهو باطل - : ( من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله بني له سبعين قصراً في الجنة ، في كل قصر سبعون حورية ، على كل حورية سبعون وصيفاً ، ويبقى في سبعين من صلاة العصر إلى صلاة المغرب ...)! 

فالتهويل ليس بصحيح ، بل يكون الإنسان متزناً  في عباراته ، ويعرف أنه يوقع عن رب العالمين ، وينقل عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم .

11 – عدم الاستدلال بالأحاديث الموضوعة : 

على الداعية ألاّ يستدل بحديث موضوع إلا على سبيل البيان ، ويعلم أن السنة ممحصة ومنقاة ، وأنها معروضة ، ولذلك لما أوتي بالمصلوب – هذا المجرم الذي وضع أربعة آلاف حديث على محمد صلى الله عليه وسلم كذباً وزوراً – إلى هارون الرشيد ليقتله ، فسلَّ هارون الرشيد عليه السيف ، قال هذا المجرم : اقتلني أو لا تقتلني ، والله لقد وضعت على أمة محمد أربعة آلاف حديث !!

فقال هارون الرشيد : (( ما عليك يا عدو الله يتصدى لها الجهابذة يزيّفونها ، ويخرجونها كابن المبارك ، وأبي إسحاق المروزي )) . فما مرَّ ثلاثة أيام إلا نقاها عبدالله بن المبارك وأخرجها ، وبين أنها موضوعه جميعها .

فالأحاديث الموضوعة – ولله الحمد – مبيَّنه ، ونحذر الدعاة من أن يذكروا للناس حديثاً موضوعاُ ، ولو قالوا إنه في مصلحة الدعوة إلى الله ، فالمصلحة كل المصلحة فيما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً ، لا في الأحاديث الباطلة كحديث علقمة وما واجه مع أمه ، وحديث ثعلبة والزكاة ، وكأحاديث أُخر بواطل ، وأثرها على الأمة سقيم ، لكن يجوز للداعية أن يبين للناس في محاضرة أو درس أو خطبة الأحاديث الموضوعة حتى يتعرف الناس عليها .

أما الأحاديث الضعيفة فلها شروط ثلاثة للاستدلال بها :

الشرط الأول : ألا يكون ضعيفاً شديد الضعف .

الشرط الثاني : أن تكون القواعد الكلية في الشريعة تسانده وتؤيده .

الشرط الثالث : ألا يكون في الأحكام بل يكون في فضائل الأعمال .

وقد ذكر شيخ الأسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن الإمام أحمد أنه قال : (( إذا أتى الحلال والحرام تشددنا ، وإذا أتت الفضائل تساهلنا )) مجمع الفتاوى 18/65 ... وهذا كلام جيد ، ولو أنه غير مجمع عليه .

12 – عدم القدح في الهيئات والمؤسسات والجمعيات والجماعات بأسمائها :

ومما يجب على الداعية ألا يقدح في الهيئات ولا المؤسسات بذكر أسمائها ، وكذلك الجمعيات والجماعات وغيرها .. ولكن عليه أن يُبيّن المنهج الحق ، ويبين الباطل ، فيعرف صاحب الحق أنه محق ، ويعرف صاحب الباطل أنه مُخطئ ، لأنه إذا تعرض للشعوب جملة ، أو للقبائل بأسمائها أو للجمعيات ، أو للمؤسسات ، أو للشركات ، أتى الآلاف من هؤلاء فنفروا منه ، وما استجابوا له .. وتركوا دعوته ، وهذا خطأ .

وفي الأدب المفرد مما يُروى عنه صلى الله عليه وسلم : (( أن من أفرى الفِرَى أن يهجو الشاعر القبيلة بأسرها )) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم 126 وهو صحيح ، أنظر الصحيحة للألباني 2/402 . وهذا خطأ ، فإن من يقول قبيلة كذا كلهم فسدة وفسقة مخطئ ! لأنه ما صدق في ذلك فالتعميم عرضة للخطأ .

•ولا بد للداعي أن يكون لبقاً في اختيار عباراته حتى يكسب القلوب ، ولا يُثير عليه الشعب ، فإن الناس يغضبون لقبائلهم ، ويغضبون لشعوبهم ، ويغضبون لشركاتهم ، ويغضبون لمؤسساتهم ، ويغضبون لجمعياتهم  .. فلينتبه لهذا ، وعليه ألا يظهر بهالة المستعلي على جمهوره ، وعلى أصحابه وعلى أحبابه ، وعلى إخوانه ، وعلى المدعوين ، وكأن يقول – مثلاً - : أنا قلتُ ، وفعلتُ ، وكتبتُ ، وأرسلتُ ، وغضبتُ ، وألفت !  

فإن (( أنا )) من الكلمات التي استخدمها إبليس .

يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: (( وليحذر من طغيان كلمات : أنا ، ولي ، وعندي ، ف‘ن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلى بها إبليس وفرعون وقارون ، وقال إبليس : (( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ )) الأعراف .. وقال فرعون : (( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ )) الزخرف .. وقال قارون : ((إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) القصص ..))

فاجتنب أنا ، واجتنب لي ، واجتنب عندي .. ولكن تصلح (( أنا )) في مثل : أنا مقصر ، كما قال شيخ الإسلام – رحمه الله - :

أنا الفقير إلى ربّ البريات *** أنا المسكين في مجموع حالاتي 

مدح أحد الناس ابن تيميه فقال :

أنا المكدي وابن المكدي *** وهكذا كان أبي وجدي !

فقال : أنا مذنب وأبي مذنب ! وجدي مذنب ! إلى آدم عليه السلام .

•فواجب على الداعية أن يظهر دائماً بالتواضع ، وأن يلتمس الستر من إخوانه ، وأن يبادلهم الشعور ، وأن يطلب منهم المشورة والاقتراح ، وأن يعلم أن فيهم من هو أعلم منه ، وأفصح منه ، وأصلح منه .

قال بعض السلف : (( الساكت ينتظر الأجر من الله ، والمتكلم ينتظر المقت ، فإن المتكلم خطيء )) ...

>>> يتبع 

 

لفضيلة الشيخ الدكتور / عائض بن عبدالله القرني

إن الدعوة فنُّ يجيده الدعاة الصادقون ، كفنّ البناء للبُناة المهرة ، وفنّ الصناعة للصُّناع الحُذّاق ، وكان لزاماُ على الدعاة أن يحملوا هموم الدعوة ، ويجيدوا إيصالها للنّاس ، لأنهم ورثة محمد صلى الله عليه وسلم .

ولا بد للدعاة أن يدرسوا الدعوة ، لوازمها ، ونتائجها ، وأساليبها ، وما يجدّ في الدعوة ، وكان لزاماً عليهم أن يتقوا الله في الميثاق الذي حملوه من معلم الخير صلى الله عليه وسلم ، فإنهم ورثة الأنبياء والرسل ، وهم أهل الأمانة الملقاة على عواتقهم .

فإذا عُلم ذلك فإن أي خطأ يرتكبه الداعية فإن ذلك سيؤثر في الأمة ، وسيكون الدعّاة هم المسئولون بالدرجة الأولى عمّا يحدث من خطأ أو يرتكب من فشل ، بسبب أنهم هم رواد السفينة التي إذا قادوها إلى برّ الأمان نجت بإذن الله  .

لذا فإن على الدعاة آداباً لابد أن يتحلوا بها حتى يكونوا رُسُل هِداية ، ومشاعل حقّ وخير ، يؤدون الرسالة كما أرادها الله .

1-الإخلاص في الدعوة :

إن الإخلاص في العمل هو أساس النّجاح فيه ، لذا فإن على الدّعاة الإخلاص في دعوتهم وأن يقصدوا ربهم في عملهم ، وألا يتطلعوا إلى مكاسب دنيوية زائلة إلى حُطام فانِ ، ولسان الواحد منهم يقول ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) الفرقان (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) سبأ .. فلا يطلب الداعي منصباً ، ولا مكاناً ، ولا منزلة ، ولا شهرةً ، بل يريد وجه الواحد الأحد 

( خذوا كلّ دنياكم ، واتركوا فؤادي حرًّا طليقاً غريباً ، فإني أعظم ثروة ، وإن خلتموني وحيداً سليباً ) .

2–تحديد الهدف :

يجب أن يكون هدف الداعية واضحاً أمامه ، وهو إقامة الدين ، وهيمنة الصّلاح ، وإنهاء أو تقليص الفساد في العالم (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) .

3–التحلي بصفات المجاهدين :

الداعية  كالمجاهد في سبيل الله ، فكما أن ذاك على ثغر من الثغور ، فهذا على ثغر من الثغور ، وكما أن المجاهد يقاتل أعداء الله ،  فهذا يقاتل أعداء الله من الذين يريدون تسيير الشهوات والشبهات ،وإغواء الجيل ، وانحطاط الأمة ، وإيقاعها في حمأة  الرذيلة (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ) النساء ..

•فيجب على الداعية أن يتحلى بما يتحلى به المجاهد وأن يصابر الأعداء فيضرب الرقاب ( حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)

4- طلب العلم النافع :

يلزم الداعية أن يطلب العلم النافع الموروث عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم ، ليدعو على بصيرة ، فإن الله قال في محكم تنزيلة : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) يوسف .... 

قال مجاهد : (( البصيرة : أي العلم )) ، وقال غيرة : (( البصيرة : أي الحكمة )) ... وقال آخر : (( البصيرة : التوحيد ))

والحقيقة أن المعاني الثلاثة متداخلة ، ولابد للداعي أن يكون موحداً للواحد الأحد ، لا يخاف إلا من الله ، ولا يرجو إلا الله ، ولا يرهب إلا الله ، ولا يكون أحداً أشدّ حبَّا له من الله – عز وجل .

•ولابد أن يكون ذا علم نافع ، وهو علم قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم ، ليدعو الناس على بصيرة ، فيحفظ كتاب الله أو ما تيسّر من كتاب الله _ عز وجل _ ويُعنى بالأحاديث عناية فائقة فيخرجها ، ويصحح المصحح منها ، ويضعف الضعيف حتى يثق الناس بعلمه ، ويعلم الناس أنه يحترم أفكارهم ، وأنه يحترم حضورهم ، فيجب أن يحترم الجمهور بأن يحضر لهم علماً نافعاً ، جديداً بناءً ، مرسوماً على منهج أهل السنة والجماعة .

كذلك على الداعية أن يكون حريصاً على أوقاته في حلّه وترحاله ، في إقامته وسفره ، في مجالسه ، فيناقش المسائل ، ويبحث مع طلبة العلم ، ويحترم الكبير ، ويستفيد من ذوي العلم ، ومن ذوي التجربة والعقل .

إذا فعل ذلك سدد الله سهامه ، ونفع بكلامه ، وأقام حجته ، وأقام برهانه .

5–ألا يعيش المثاليات :

ومما ينبغي على الداعية ألاّ يعيش المثاليات ، وأن يعلم أنه مقصر ، وأن الناس مقصرون , قال سبحانه وتعالى ((وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ () النور ... فهو الكامل سبحانه وتعالى  وحده ، والنقص لنا ، ذهب الله بالكمال  ، وأبقى كل النقص لذلك الإنسان ، فما دام أن الإنسان خلق من نقص فعلى الداعية أن يتعامل معه على هذا الاعتبار سواء كانوا رجالاً أو شباباً أو نساءً ، قال سبحانه وتعالى ((إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ () النجم 32 .

فما دام الله قد أنشأكم من الأرض ، من الطين ، من التُراب ، فأنتم ناقصون لا محالة ، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الناس على أنهم ناقصون ، وعلى أنهم مقصرون ، يرى المقصر منهم فيعينه ويساعده ويشجعه ، ويأخذ بيده إلى الطريق .

•والداعية الذي يعيش المثاليات لا يصلح للناس ، فإنه يتصور في الخيال أن الناس ملائكة ، الخلاف بينهم وبين الملائكة الأكل والشرب !! 

وهذا خطأ ، خاصة في مثل القرن الخامس عشر الذي لا يوجد فيه محمد صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة الأخيار ، وقل أهل العلم ، وكثرت الشبهات !!

 وانحدرت علينا البدع من مكان ، وأُغرقنا بالشهوات ، وحاربتنا وسائل مدروسة ، دُرست في مجالس عالمية وراءها الصهيونيه العالمية وأذنابها !!

فحق على العالم وحق على الداعية أن يتعامل مع هذا الجيل ويتوقع منه الخطأ ، ويعلم أن الإنسان سوف يحيد عن الطريق ، فلا يعيش  المثاليات .

6–عدم اليأس من رحمة الله :

يجب على الداعية ألاّ يغضب إن طَرح عليه شاب مشكلته ، وأنه وقع في معصية ، فقد أُتىَ الرسول صلى الله عليه وسلم برجل شرب الخمر وهو من الصحابة أكثر من خمسين مرة !!

ثبت في الصحيح ، فلما أتى به ليقام عليه الحدّ ، قال بعض الصحابة : أخزاه الله ، ما أكثر ما يؤتى به ! فغضب عليه الصلاة والسلام ، وقال للرجل  : (( لا تقل ذلك لا تعن الشيطان عليه ، والذي نفسي بيده ، ما علمتُ إلا أنه يحبّ الله ورسوله )) أخرجه البخاري (12/75 رقم : 6781/6780 )

فما أحسن الحكمة ، وما أعظم التوجيه !!

لذلك نقول دائماً : لا تيأس من الناس مهما بدرت منهم المعاصي والمخالفات والأخطاء ، واعتبر أنهم أمل هذه الأمة ، وأنهم في يوم من الأيام سوف تفتح لهم أبواب التوبة ، وسوف تراهم صادقين مخلصين ، تائبين متوضئين .

•وينبغي على الداعية أن لا ييأس من استجابة الناس ، بل عليه أن يصبر ويثابر ، ويسأل الله لهم الهداية في السجود ، ولا يستعجل عليهم ، فإن رسولنا صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدو إلى (( لا إله إلا الله )) ، فلم ييأس مع كثرة الإيذاء !! ومع كثرة السب !! ومع كثرة الشتم !! واعلم أن ما تتعرض له من صعوبات لا يقارن بما تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك صبر وتحمل كل ذلك ولم يغضب ، حتى أتاه ملك الجبال ! فقال له : يا محمد ، إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك ، فما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئاً )) أخرجه البخاري ( 6/312-313 رقم 3231 ) ومسلم ( 3 / 1420 رقم 1795 ) 

فأخرج الله من أصلاب الكفرة القادة ، فمن صُلب الوليد بن المغيرة : خالد بن الوليد ، ومن صُلب أبي جهل : عكرمة بن أبي جهل .

فما أحسن الطريقة ، وما أحسن ألا ييأس الداعية ، وأن يعلم أن العاصي قد يتحول بعد عصيانه إلى إمام مسجد ! أو خطيب ! أو إلى عالم !

من الذي ما أساء قط ! ومن له الحسنى فقط ؟!

من ذا الذي ترضى سجاياه كلها        كفى المرء نبلاً أن تعدّ معايبه !

تــريــد مهــذّبــاً لا عيــب فيـــــه        وهـــل عود يفوح بلا دُخـــان  ؟!

هذا لا يصلح على منهج الكتاب والسنة .

فلا تقنط من رحمة الله فإن رحمة الله وسعت كل شيء ، وهو الرحمن الرحيم ، الذي يقول في الحديث القدسي الذي رواه أحمد والترمذي بسند صحيح (( يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أُبالي ، يا ابن آدم ، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً ، لأتيتك بها مغفرة )) أخرجه الترمذي ( 3540 ).

وعلى الداعية ألا ييأس من المدعوين بسبب بعض معاصيهم وإنما عليه أن يعايش الجميع ، الكبير والصغير ، الصالح والطالح ، والمطيع والعاصي ، ولتعلم أن هذا العاصي قد يكون في يوم من الأيام من رجال الدعوة ، وقد يكون من أولياء الله ، فلا تيأس ، وعليك أن تتدرّج معه ، وأن تأخذ بيده رويداً رويداً ، وألا تجابهه وألا تقاطعه .

•جاء وفد ثقيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الدين قالوا : نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، ولكن أما الصلاة فلا نصلي ! وأما الزكاة فلا نزكي ! ولا نُجاهد في سبيل الله !!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما الصلاة ، فلا خير في دين لا صلاة فيه )

وأما الصدقة والجهاد فقد فقال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك : ( سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ) رواه أبو داود

فأسلموا ، فأدخل الله الإيمان في قلوبهم ، فصلوا وزكوا وجاهدوا ، وقتل بعضهم وراء نهر سيحون وجيحون في سبيل الله ! وقُتل بعضهم في قندهار .

فلا ييأس الإنسان من دعوة الناس إلى سبيل الله سبحانه وتعالى ، وليعلم أنهم في مرحلة المراحل سوف يهتدون وسوف يعودون إلى الله سبحانه وتعالى .

فلا تقنط شارب الخمر من توبته إلى الله ، ولا تُقنط السارق ولا الزاني ، ولا القاتل ،  بل حببهم إلى الهداية ، وقل لهم هناك ربَّ رحيم ، يقول في محكم التنزيل : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله  ولم يُصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) آل عمران 135.

قال علي رضي الله عنه وأرضاه : ( الحكيم من لا يُقنط الناس من رحمة الله ، ولا يورطهم في معصية الله ).

•ومن آداب الداعية كذلك ألا يهون على الناس المعاصي ، بل يخوفهم من الواحد الأحد ، فيكون في دعوته وسطاً بين الخوف والرجاء ، فإن بعض الدعاة قد يتساهل مع بعض الناس في المعاصي ! كلما أرتكب كبيرة قال : (( سهلة ))! وكلما أُتي بأخطاء قال : (( أمرها بسيط ))!

أفلا يعلم أن هناك ربًّا يغضب إذا انتهكت حدوده ؟! وأن هناك سلطاناً عظيماً على العرش استوى ، لا يرضى أن تُنتهك محارمه ، وقد صح في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم : (( تعجبون من غيرة سعد ؟ والذي نفسي بيده ، إني أغير من سعد ، وإن الله أغير منّي )) أخرجه البخاري ( 13/399 رقم 7416 ) ومسلم ( 2 / 1136 رقم 1499 ) عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه .

وقد ورد من صفاته _ سبحانه وتعالى _ كما في الصحيح من حديث ابن مسعود : (( إن الله غيور ، ومن غيرته سبحانه وتعالى أنه يغار على عبده المؤمن أن يزني ، وعلى أمتِه المؤمنة أن تزني )).

>>> يتبع 

 

اعرف نبيك صلى الله عليه وسلم

Written by الأربعاء, 21 كانون2/يناير 2015 06:02

الحمد لله الذي أوضح لنا سبيل الهداية، وأزاح عن بصائرنا ظلمة الغواية، والصلاة والسلام على النبي المصطفى والرسول المجتبى، المبعوث رحمة للعالمين، وقدوة للمالكين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 

أما بعد: 

أيها المسلمون: إن من خير ما بذلت فيه الأوقات، و شغلت به الساعات هو دراسة السيرة النبوية العطرة، والأيام المحمدية الخالدة، فهي تجعل المسلم كأنه يعيش تلك الأحداث العظام التي مرت بالمسلمين، وربما تخيل أنه واحد من هؤلاء الكرام البررة التي قامت على عواتقهم صروح المجد ونخوة البطولة. 

وفي السيرة يتعرف المسلم على جوانب متعددة من شخصية النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم ، وأسلوبه في حياته ومعيشته، ودعوته في السلم والحرب. 

وفيها أيضاً: يتلمس المسلم نقاط الضعف والقوة؛ وأسباب النصر والهزيمة، وكيفية التعامل مع الأحداث وإن عظمت. 

وبدراسة السيرة النبوية يستعيد المسلمون ثقتهم بأنفسهم، ويوقنون بأن الله معهم وناصرهم، إن هم قامو بحقيقة العبودية، له والانقياد لشريعته: { إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [محمد:7]، { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [غافر:51]. { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحج:40]. 

وهذه عبارة عن رؤوس أقلام وجمل يسيرة في سيرة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، قصد بها فتح الطريق أمام ناشئة المسلمين وشبيبتهم لدراسات أعمق لهذه السيرة النبوية الخالدة. قال الله تعالى: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ } [الفتح:29]. 

نسبه صلى الله عليه وسلم : 

هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. هذا هو المتفق عليه في نسبه صلى الله عليه وسلم واتفقوا أيضاً أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام.

 

أسماؤه صلى الله عليه وسلم : 

عن جبير بن مطعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: { إن لي أسماء، وأنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدميَّ، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد } [متفق عليه]. وعن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: { أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة } [مسلم].

 

طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم : 

اعلم رحمني الله وإياك أن نبينا المصطفى على الخلق كله قد صان الله أباه من زلة الزنا، فولد صلى الله عليه وسلم من نكاح صحيح ولم يولد من سفاح، فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إن الله عز وجل اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم } [مسلم]، وحينما سأل هرقل أبا سفيان عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { هو فينا ذو نسب، فقال هرقل: كذلك الرسل تبعث في نسب قومها } [البخاري].

 

ولادته صلى الله عليه وسلم : 

ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، قيل في الثاني منه، وقيل في الثامن، وقيل في العاشر، وقيل في الثاني عشر. قال ابن كثير: والصحيح أنه ولد عام الفيل، وقد حكاه إبراهيم بن المنذر الحزامي شيخ البخاري، وخليفة بن خياط وغيرهما إجماعاً. 

قال علماء السير: لما حملت به آمنة قالت: ما وجدت له ثقلاً، فلما ظهر خرج معه نور أضاء ما بين المشرق والمغرب. 

وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدلٌ في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك، دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت، انه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام } [أحمد والطبراني]. 

وتوفي أبوه صلى الله عليه وسلم وهو حَمْل في بطن أمه، وقيل بعد ولادته بأشهر وقيل بسنة، والمشهور الأول. 

 

رضاعه صلى الله عليه وسلم : 

أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب أياماً، ثم استُرضع له في بني سعد، فأرضعته حليمة السعدية، وأقام عندها في بني سعد نحواً من أربع سنين، وشُقَّ عن فؤاده هناك، واستخرج منه حظُّ النفس والشيطان، فردته حليمة إلى أمه إثر ذلك. 

ثم ماتت أمه بالأبواء وهو ذاهب إلى مكة وهو ابن ست سنين، ولما مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواء وهو ذاهب إلى مكة عام الفتح، استأذن ربّه في زيارة قبر أمه فأذن له، فبكى وأبكى من حوله وقال: { زوروا القبور فإنها تذكر بالموت } [مسلم]. فلما ماتت أمه حضنته أم أيمن وهي مولاته ورثها من أبيه، وكفله جده عبد المطلب، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر ثماني سنين توفي جده، وأوصى به إلى عمه أبي طالب فكفله، وحاطه أتم حياطة، ونصره وآزره حين بعثه الله أعزّ نصر وأتم مؤازرة مع أنه كان مستمراً على شركه إلى أن مات، فخفف الله بذلك من عذابه كما صح الحديث بذلك. 

 

صيانة الله تعالى له صلى الله عليه وسلم من دنس الجاهلية: 

وكان الله سبحانه وتعالى قد صانه وحماه من صغره، وطهره من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خُلقٍ جميل، حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين، لما شاهدوه من طهارته وصدق حديثه وأمانته، حتى أنه لما أرادت قريش تجديد بناء الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمره، فوصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يضعه أول داخل عليهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: جاء الأمين، فرضوا به، فأمر بثوبٍ، فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب، ثم أخذ الحجر فوضعه موضعه صلى الله عليه وسلم . [أحمد والحاكم وصححه]. 

 

زواجه صلى الله عليه وسلم : 

تزوجته خديجة وله خمس وعشرون سنة، وكان قد خرج إلى الشام في تجارة لها مع غلامها ميسرة، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه، وما كان يتحلى به من الصدق والأمانة، فلما رجع أخبر سيدته بما رأى، فرغبت إليه أن يتزوجها. 

وماتت خديجة رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، فلما ماتت خديجة رضي الله عنها تزوج عليه السلام سودة بنت زمعة، ثم تزوج صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، ولم يتزوج بكراً غيرها، ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث رضي الله عنها، وتزوج أم سلمة واسمها هند بنت أمية رضي الله عنها، وتزوج زينب بنت جحش رضي الله عنها، ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، ثم تزوج أم حبيبة رضي الله عنها واسمها رملة وقيل هند بنت أبي سفيان. وتزوج إثر فتح خيبر صفية بنت حييّ بن أخطب رضي الله عنها، ثم تزوج ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، وهي آخر من تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم . 

 

أولاده صلى الله عليه وسلم : 

كل أولاده صلى الله عليه وسلم من ذكر وأنثى من خديجة بنت خويلد، إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية التي أهداها له المقوقس. 

 

فالذكور من ولده: 

القاسم وبه كان يُكنى، وعاش أياماً يسيرة، والطاهر والطيب. 

وقيل: ولدت له عبدالله في الإسلام فلقب بالطاهر والطيب. أما إبراهيم فولد بالمدينة وعاش عامين غير شهرين ومات قبله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر. 

 

بناته صلى الله عليه وسلم : 

زينب وهي أكبر بناته، وتزوجها أبو العاص بن الربيع وهو ابن خالتها، ورقية تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفاطمة تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأنجبت له الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأم كلثوم تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد رقية رضي الله عنهن جميعاً. قال النووي: فالبنات أربع بلا خلاف. والبنون ثلاثة على الصحيح. 

 

مبعثه صلى الله عليه وسلم : 

بعث صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، فنزل عليه الملك بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وكان إذا نزل عليه الوحي اشتد ذلك عليه وتغيّر وجهه وعرق جبينه. 

فلما نزل عليه الملك قال له: اقرأ.. قال: لست بقارئ، فغطاه الملك حتى بلغ منه الجهد، ثم قال له: اقرأ.. فقال: لست بقارئ ثلاثاً. ثم قال: { اقْرأْ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذي خَلَقَ، خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [العلق:1-5]. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة رضي الله عنها يرتجف، فأخبرها بما حدث له، فثبتته وقالت: أبشر، وكلا والله لا يخزيك أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحملُّ الكَلَّ، وتعين على نوائب الدهر. 

ثم فتر الوحي، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث لا يرى شيئاً، فاغتم لذلك واشتاق إلى نزول الوحي، ثم تبدى له الملك بين السماء والأرض على كرسيّ، وثبته، وبشره بأنه رسول الله حقاً، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف منه وذهب إلى خديجة وقال: زملوني.. دثروني، فأنزل الله عليه: { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّر، وَثِيَابَكَ فَطَهِّر } [المدثر:1-4]. فأمر الله تعالى في هذه الآيات أن ينذر قومه، ويدعوهم إلى الله، فشمَّر صلى الله عليه وسلم عن ساق التكليف، وقام في طاعة الله أتم قيام، يدعو إلى الله تعالى الكبير والصغير، والحر والعبد، والرجال والنساء، والأسود والأحمر، فاستجاب له عباد الله من كل قبيلة ممن أراد الله تعالى فوزهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، فدخلوا في الإسلام على نور وبصيرة، فأخذهم سفهاء مكة بالأذى والعقوبة، وصان الله رسوله وحماه بعمه أبي طالب، فقد كان شريفاً مطاعاً فيهم، نبيلاً بينهم، لا يتجاسرون على مفاجأته بشيء في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعلمون من محبته له. 

قال ابن الجوزي: وبقي ثلاث سنين يتستر بالنبوة، ثم نزل عليه: { فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر } [الحجر:94]. فأعلن الدعاء. فلما نزل قوله تعالى: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } [الشعراء:214]، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف ( يا صباحاه! ) فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد! فاجتمعوا إليه فقال: ( أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا ما جربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تباً لك، أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزل قوله تعالى: { تَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ وَتَبْ } إلى آخر السورة. [متفق عليه]. 

 

صبره صلى الله عليه وسلم على الأذى: 

ولقي صلى الله عليه وسلم الشدائد من قومه وهو صابر محتسب، وأمر أصحابه أن يخرجوا إلى أرض الحبشة فرارا من الظلم والاضطهاد فخرجوا. 

قال ابن إسحاق: فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تطمع فيه حياته، وروى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: { لما مات أبو طالب تجهَّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك }. 

وفي الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي، وسلا جزورٍ قريب منه، فأخذه عقبة بن أبي معيط، فألقاه على ظهره، فلم يزل ساجداً، حتى جاءت فاطمة فألقنه عن ظهره، فقال حينئذ: { اللهم عليك بالملأ من قريش }. وفي أفراد البخاري: أن عقبة بن أبي معيط أخذ يوماً بمنكبه صلى الله عليه وسلم ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر فدفعه عنه وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ 

 

رحمته صلى الله عليه وسلم بقومه: 

فلما اشتد الأذى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فدعا قبائل ثقيف إلى الإسلام، فلم يجد منهم إلا العناد والسخرية والأذى، ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه، فقرر صلى الله عليه وسلم الرجوع إلى مكة. قال صلى الله عليه وسلم : { انطلقت – يعني من الطائف – وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب – ميقات أهل نجد – فرفعت رأسي فإذا سحابة قد أظلتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد أرسل لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال، قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين – جبلان بمكة – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً } [متفق عليه]. 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في كل موسم، فيعرض نفسه على القبائل ويقول: { من يؤويني؟ من ينصرني؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي! }. 

ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبة في الموسم ستة نفر فدعاهم فأسلموا، ثم رجعوا إلى المدينة فدعوا قومهم، حتى فشا الإسلام فيهم، ثم كانت بيعة العقبة الأولى والثانية، وكانت سراً، فلما تمت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالاً. 

 

هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة: 

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر إلى المدينة فتوجه إلى غار ثور، فأقاما فيه ثلاثاً، وعني أمرهم على قريش، ثم دخل المدينة فتلقاه أهلها بالرحب والسعة، فبنى فيها مسجده ومنزله. 

 

غزواته صلى الله عليه وسلم : 

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون، لَيهَلِكُنَّ، فأنزل الله عز وجل: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } [الحج:39]. وهي أول آية نزلت في القتال. وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعاً وعشرين غزاة، قاتل منها في تسع: بدر، وأحد، والريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، وبعثَ ستاً وخمسين سرية. 

 

حج النبي صلى الله عليه وسلم واعتماره : 

لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع. فالأولى عمرة الحديبية التي صدّه المشركون عنها. والثانية عمرة القضاء، والثالثة عمرة الجعرانة، والرابعة عمرته مع حجته. 

 

صفته صلى الله عليه وسلم : 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون - أي أبيض بياضاً مشرباً بحمرة - أشعر، أدعج العينين –أي شديد سوادهما – أجرد –أي لا يغطي الشعر صدره وبطنه -، ذو مَسرُبه – أي له شعر يكون في وسط الصدر والبطن. 

 

أخلاقه صلى الله عليه وسلم : 

كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأصدقهم لهجة، وألينهم طبعاً، وأكرمهم عشرة، قال تعالى: { َإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ } [القلم:4]. وكان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأعف الناس وأكثرهم تواضعاً، وكان صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، يقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة ولا يأكلها، ولا يغضب لنفسه، وإنما يغضب لربه، وكان صلى الله عليه وسلم يأكل ما وجد، ولا يدُّ ما حضر، ولا يتكلف ما لم يحضره، وكان لا يأكل متكئاً ولا على خوان، وكان يمر به الهلال ثم الهلال ثم الهلال، وما يوقد في أبياته صلى الله عليه وسلم نار، وكان صلى الله عليه وسلم يجالس الفقراء والمساكين ويعود المرضى ويمشي في الجنائز. 

وكان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً، ويضحك من غير قهقهة، وكان صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله، وقال: { خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي } [الترمذي وصححه الألباني]، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله، ألا فعلت كذا!!. 

وما زال صلى الله عليه وسلم يلطف بالخلق ويريهم المعجزات، فانشق له القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنَّ إليه الجذع، وشكا إليه الجمل، وأخبر بالغيوب فكانت كما قال. 

 

فضله صلى الله عليه وسلم : 

عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس كافة } [متفق عليه]. وفي أفراد مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { أنا أول الناس يشفع يوم القيامة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة }. وفي أفراده من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشقُّ عنه القبر، وأول شافع وأول مُشفع }. 

 

عبادته ومعيشته صلى الله عليه وسلم :

 قالت عائشة رضي الله عنها: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتفطر قدماه، فقيل له في ذلك، فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً } [متفق عليه]، وقالت: وكان مضجعه الذي ينام عليه في الليل من أَدَمَ محشوّاً ليفاً!! وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظلُّ اليوم يَلتَوي ما يجد دِقْلاً يملأ بطنه – والدقل ردئ التمر -!! ما ضره من الدنيا ما فات وهو سيد الأحياء والأموات، فالحمد لله الذي جعلنا من أمته، ووفقنا الله لطاعته، وحشرنا على كتابه وسنته آمين، آمين. 

 

من أهم الأحداث:

الإسراء والمعراج : وكان قبل الهجرة بثلاث سنين وفيه فرضت الصلاة. 

السنة الأولى : الهجرة - بناء المسجد - الانطلاق نحو تأسيس الدولة - فرض الزكاة. 

السنة الثانية : غزوة بدر الكبرى وفيها أعز الله المؤمنين ونصرهم على عدوهم. 

السنة الثالثة : غزوة أحد وفيها حدثت الهزيمة بسبب مخالفة تعليمات النبي صلى الله عليه وسلم ونظر الجنود إلى الغنائم. 

السنة الرابعة : غزوة بني النضير وفيها أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير عن المدينة لأنهم نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين. 

السنة الخامسة : غزوة بني المصطلق وغزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة. 

السنة السادسة : صلح الحديبية، وفي هذه السنة حُرّمت الخمر تحريماً قاطعاً. 

السنة السابعة : غزوة خيبر، وفي هذه السنة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون مكة واعتمروا، وفيها أيضاً تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حُيَيّ. 

السنة الثامنة : غزوة مؤتة بين المسلمين والروم، وفتح مكة وغزوة حُنين ضد قبائل هوازن وثقيف. 

السنة التاسعة : غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه السنة قدمت الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وسمي هذا العام عام الوفود. 

السنة العاشرة : حجة الوداع، و حج فيها مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة ألف مسلم. 

السنة الحادية عشرة : وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول مع اختلاف في تحديد هذا اليوم من الشهر. وتوفي صلى الله عليه وسلم وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون سنة قبل النبوة، وثلاث وعشرون سنة نبياً رسولاً، منها ثلاث عشرة سنة في مكة، وعشر سنين بالمدينة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

المراجع: 

- تهذيب الأسماء واللغات للنووي. 

- التبصرة والحدائق لابن الجوزي. 

- زاد المعاد لابن القيم. 

- السيرة النبوية للذهبي. 

- جوامع السيرة النبوية لابن حزم. 

- الفصول في سيرة الرسول (ابن كثير). 

- صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي. 

وأصلي على النبي الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم وما كان من صواب فمن الله عز وجل وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان.

المصدر: صيد الفوائد